الجمعة، 7 أكتوبر 2011

الإنسان الفعال.... للكاتب : جمال جمال الدين

الإنسان الفعّال
جمال جمال الدّين




الفصل الأول
الدافع والغرض من تأليف الكتاب

1-كان الدافع الأول من تأليف الكتاب هو تعليم نفسي ، فالكتابة تثري معرفتنا فيما نكتب فيه ... والحقيقة الأولية التي أرجو أن تصل إلى عقول وقلوب جميع القراء هي أنّ ظروفنا وأحوالنا لن تتغير ما لم يتغير سلوكنا ومواقفنا ومعاملاتنا ، قبل أن نغير طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى أنفسنا وإلى مَن حولنا.
2- وأنا مقتنعٌ أنّ ضياع كثير من الوقت والجهد في حياتنا بلا طائل عائد إلى غياب المعرفة في آليات أساسية يعلِّمها الغربيّون لطلابهم في حين نفتقدها في أعلى المستويات العلمية والمهنية في مجتمعاتنا.
3-وهذا الكتاب ليس للثقافة والمطالعة وزيادة المعرفة بل كي يوجِّهَك لتصبح إنساناً فعّالاًً ناجحاً.
4-وعملية التفكير تتطلب منّا عادةً أن نسير عكس رغباتنا وعادةً ما تكون الحقائق الهامة صعبة الفهم وصعبة الممارسة ، ولكن غموض الموضوع وصعوبته يجب ألاّ يدفعنا إلى إهماله.

لمن نوجه هذا الكتاب
إنّ الكتاب موجّه للإنسان السويِّ الخالي من الأمراض العقلية والنفسية , وليخاطب أولئك الذين يقدِّرون قيمة الوقت والواجب ويحتاجون إلى أفكار لتطوير مهاراتهم وتحسين كفاءاتهم واستثمار قدراتهم الكامنة ليحققوا أفضل النتائج من أجل حياة أنجح تسهم في تطوير أمتهم ، وبقدر ما تكون حياتك متعثرة وفاشلة يكون للكتاب أثر أكبر عليها.

الكتاب يهمّ المرأة بقدر ما يهمّ الرجل ... لماذا؟
لأنّ دورها أكبر في إحداث عملية التغيير في المجتمع ، مثلاً كمدرِّسة: ينشأ على يديها الجيل برجاله ونسائه ، مما يجعلني أعتقد أنّ الكتاب يخصّها أكثر من الرجل ، فأنا مقتنع أنّه لا بد أن تتلقّى النساء تعليماً أعلى ، لا ليصبحنَ طبيبات ومهندسات فقط، بل ليكنّ قادرات على تربية أطفالهن ليكونوا أعضاءً فاعلين في المجتمع.





الفصل الثاني
الفعّاليّة: ثقافة أم مزايا مكتسبة ؟.. البيئة الملائمة

يقول مالك بن نبي:
"الحق: ما أغراها من كلمة ... إنّها كالعسل يجذب الذباب والانتفاعيين الانتهازيين ... أمّا الواجب فكلمة لا تجتذب إلاّ النافعين المنتجين حملة رسالة الحضارة والتقدّم".

تعريف الفعّاليّة: يعرّف المفكر الجزائري مالك بن نبي الفعّاليّة ويسميّها المنطق العملي بأنّها: "استخلاص أقصى ما يمكن من الفائدة من وسائل معينة". فالفعّاليّة تقتضي أن ننتج أكثر فيما يحقّق الأهداف التي تهمّنا وتطوِّر حياتنا ومجتمعنا.
والفعّاليّة: لا تُفضي بالضرورة إلى التعب ، بل إنّ الخمول والفشل والعقلية السلبية المتشائمة وعدم القيام بأي نشاط هي مصدر آلامنا ... أمّا العمل المثمر فيعتبر أكبر مساعد على تحمّل الظروف الصعبة وتجاوزها ، فهو لا يتيح لنا وقتاً لنتذكر همومنا وأحزاننا.

هناك علاقة وثيقة بين الفعّاليّة والثقافة:
فالثقافة تنعكس على طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى العالم والناس والأشياء من حولنا ، فما المقصود من مفهوم الثقافة ؟
المقصود بمصطلح الثقافة ليس المعنى الدارج للكلمة ... فقد شاع إطلاق كلمة (مثقف) على المطّلع على أنواع المعارف المختلفة ، أمّا هنا: فنقصد به مجموع العادات والممارسات والمعارف التي تميِّز شعباً عن آخر وطريقته في الحياة.

أنواع الثقافة

1- الثقافة الخاصّة: بكلِّ شعب ثم ما يتفرع عنها من ثقافات محليّة.
2- الثقافة العالميّة: وهي أكثر اتساعاً وعالميّة ، ويتسارع تكوينها في هذا العصر بفضل انتشار وسائط النقل الحديثة والإعلام       والاتصال والمحطات الفضائية والإنترنت والبريد الالكتروني ... وثقافة الإنسان لا مستواه العلمي هو ما يعينه على اتخاذ       القرار الصحيح وممارسة الموقف السليم في سلوكه مع الآخرين.
          ويرى مالك بن نبي: أنّه لنكون فاعلين لا بد من تصفية عاداتنا وتقاليدنا من العوامل القاتلة والرمم والقيود التي لا فائدة            منها ، ليخلو المجال للعوامل الحيّة الداعية للحياة والفكر الجديد.

     الفعّاليّة والبيئة
إنّ صفة اللافعّاليّة في مجتمع معين تظهر كانعكاس لثقافة معينة يستنشقها الفرد العادي من البيئة المحيطة.
ولكن على الرَّغم من وجود فعّاليّة موروثة نستنشقها من البيئة التي نعيش فيها لتنسجم مع أسلوب الحياة في المجتمع ، فإنّ الفعّاليّة يمكن تعلّمها ويجب تعلّمها وإلاّ حكم الإنسان على نفسه بالقدرية.
     وهناك أمثلة عديدة لمن تجاوزوا بيئتهم وظروفهم ومجتمعهم.
     1- المهاتما غاندي: رفض أن ينسجم مع مجتمع الهند المتخلف الجاهل وتجاوَزَهُ ليساهم شخصياً في تطوير وممارسة أعظم                تقنيات اللاعنف في مقاومة السلطات الظالمة كعدم التعاون والعصيان.
     2- ماوتسي تونغ: فقد أسس جميعة "سين مين" وأعلن برنامجها: "على كلّ فرد من الجمعية أن يستهدف أمراً عظيماً في               حياته يقدّم لشعبه أكبر خدمة ممكنة".
     3- أصحاب محمد عليه السلام أشدّاء على أعدائهم رحماء بينهم ، يصفهم القرآن الكريم بالزرع الأخضر المستوي على                   سوقه يُعْجِبُ أصحاب الخبرة في الزراعة "كزرع أخرج شطأه فآزوره فاستغلظ فاستوى على سوقه يُعْجِبُ الزّراعَ                 ليغيَظَ بهم الكفّار" ، وهؤلاء وأؤلئك وأمثالهم هم الذين يحرّكون عجلة التاريخ ويبدؤون رحلة التغيير.

لا بد في المجتمعات المتخلّفة: من ربط الحق بالواجب
تضمحل في المجتمعات المتخلّفة ثقافة الواجب مقابل ثقافة الحق ، مع أنّ إحياء الإنسان ونقله إلى الحياة الفعّالة لا يكون بضمان حقوقه فقط ، بل بالحفاظ على كرامته من خلال تعليمه كيف يستعيد شخصيته ويؤدي واجبه.
يقول مالك بن نبي: "إنّ أولئك الذين لا يحدِّّثون الناس عن واجباتهم وإنّما يضربون لهم على نغمة حقوقهم إنّما يستخفون بعقولهم وكرامتهم وقيمهم - وما يحتاجه الناس فعلاً - هو تعلم المناهج والآليات والتقنيات وفنون الحياة الرشيدة الفعّالة .. فالحق ليس هديةً تُعطى ولا غنيمةً تُغتصب ، وإنّما هو نتيجة حتمية للواجبات."

ماذا علينا أن نفعل نحن - العرب والمسلمين - ؟!
الأَوْلى بنا أن نقف عن نقد السلاطين وضرب المثل السيّىء عن اليأس في إمكانية تقدم مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة ، وننطلق نحو العمل الجادّ في عملية تغيير النفس من حالتها الراكدة إلى الفعّاليّة والإنتاج والعمل المثمر ، إنّ التحديات التي تواجهنا ينبغي أن تكون مصدر قوةٍ وأمل وليس مصدر يأسٍ وقنوط.

العلاقة وثيقة بين الفعّاليّة والتحضر والدّين:
إننا نرتكب خطأ ً جسيماً عندما نريد أن نجعل من أنفسنا متحضّرين من قبل أن نكون أسوياء ، وأن نجعل من أنفسنا متدينين قبل أن نكون متحضرين ، فالإنسان السويّ والمتحضر هو الذي يمكن أن يفهم الدّين بصورته الصحيحة .. فالدّين حضارةٌ وفعّاليّةٌ وتقدمٌ وعدالةٌ وإنسانية ، وكلّ الجرائم التي تُرتكب باسم الدّين لم تكنْ يوماً بسبب الالتزام بالدّين الصحيح ، بل كانت نتيجة العتْهِ في التفكير الذي يختلط مع ادِّعاء الالتزام بالدّين.
ومهما زعمنا أنّنا متحضرون لمجرد انتمائنا إلى الدّين ، فإنّ كل ذي عقل يستطيع أن يكتشف أنّنا مدّعون أو واهمون – فالفعّاليّة لا تتعايش مع أؤلئك الذين يعتقدون أنّهم كاملون ، بل تزدهر مع الذين يسعون باستمرار ليصبحوا أفضل.
إنّ أموراً كثيرة اختلطت علينا وأعتقد أن كتاباً كاملاً يجب أن يُخصّص لفكِّ هذه التداخلات والاختلاطات ، تُوضَّح فيه العلاقة بين الدّين والتحضّر ، والفرق بين ما يجب أن نتعلّمه من الدّين وما يجب أن نتعلّمه كبشر ٍ متحضرين ، فلا نخدع أنفسنا وننام مرتاحي البال بكل جهلنا وظلمنا وعجزنا ... راضين عن كلّ النتائج التي وصلنا إليها مهما كانت أليمة لمجرد ادّعائنا أنّنا مؤمنون.

التخلف الاجتماعي 

1- العنفُ والغِلظةُ آفةُ المجتمعِ المتخلفِ (سيكولوجية الإنسان المقهور).
2- الأمراض النفسية نتيجة القهر (وعلينا أن نعرف كيف نكون أسوياء).
3- قلة الحرية والديمقراطيّة سبب من أسباب تخلّفنا.

كيف نتغلب على كل هذا:
 أ. بالتخلص من أفكارنا السقيمة وأمراض أنفسنا.
ب. يجب أن تسود ثقافة التعاون بدل ثقافة التناحر لتأمين بيئة ملائمة للفعّاليّة ، ولكن لا بدّ من التوضيح أنّ هناك فرقاً كبيراً      بين الاعتماد على الآخرين ، فهذه عبوديّة وعجز واتكاليّة وبين تبادل الاعتماد مع الناس والتعاون معهم ومشاركتهم -      وهذه قوة وتكافل ومبادرة - لأنّ فيها منفعة مشتركة للجميع.

كيف تنشأ ثقافة المشاركة والتعاون:
1. عن طريق نظام تدعمه الدولة تحارب فيه القيم السلبيّة ، كالجبن والفساد واللامبالاة وتُعزّز القيم العليا كالشجاعة والنزاهة     والتضحية ... وتقديم الخير للآخرين.
     2. بالقضاء على القوارض كما يسمّيهم مالك بن نبي حيث يتكاثرون ويعتمدون على محسوبياتهم وسلطتهم بدلاً من                كفاءاتهم وجداراتهم ، وما أكثرهم في مجتمعنا ...؟ من أمثال هؤلاء: ذلك الذي يحارب الكفاءة خوفاً من المنافسة ،                والموظف الغائب عن دائرته ... ومن يخالف النظام لأنّه ابن فلان ، وكذلك السائق الأهوج ... والعريس الذي يزعج              بفرحه بعد منتصف الليل ... وفي مؤذن الصبح المبتدع ... كلّ هؤلاء يمثّلون بيئة التخلف التي نعيشها.
   إنّ هذه الأمور التي نظنّها صغيرة ، هي التي تحطّم كلّ الجهود الكبيرة ، وتحرمنا من بيئة ملائمة تنمو فيها بأمن وسلام حياة      الفعّاليّة والانسجام التي نستطيع فيها أن نحلّ مشاكلنا الكبرى.
3. على الإنسان أن ينتقل من حالة الدفاع الفطريّة عن البقاء إلى حالة المبتكر للخطأ والمستقبل والأهداف ، كيلا يبقى           الإنسان سجيناً لما يرسمه له الآخرون ، بل تكون له إرادةٌ حرّة وأهداف مستقلّة ومواقف مستقلّة.
4. عدم تجاهل ما يسمى بالعولمة ومحاولة السيطرة الغربيّة الأكثر خفاءً وشيطانيّةً من عمل الاستعمار التقليدي الذي خبرناه في     مجتمعاتنا.

كيف تتحقق الفعّاليّة:
يقول الأستاذ جودت سعيد:
"لا بد لتحقيق أي عمل أو إحداث تغيير في النفس والمجتمع من تزاوج شرطيْن مجتمعيْن: القدرة والإرادة". 
1- إنّ الإرادة السليمة تمثل الرغبة الحقيقة والإخلاص في تحقيق هذا العمل ، والرغبة أو الإرادة هي المحرك أو الدافع الذي         يبعث على الحركة ويجعلنا نبدأ العمل لتحقيق أهدافنا ، كما أنّ الإرادة هي التي تدفعنا لنكتسب القدرة.
2- المزية هي مزيج من الرغبة والمعرفة والمهارة ... وإذا كانت المعرفة تُكتسب بالتعلم ، فإنّ المهارة تُكتسب بالممارسة           والتدرب والتجربة والخبرة. إنّ كلاً منّا يعايش تجارب الحياة ، ولكن قد نتعلم منها وقد لا نتعلم.
    إنّنا نحن من يجب أن نعلم أنفسنا من التجربة .. فالتجربة مهما كانت صعبة وقاسية ومفيدة ليست معلماً ، ومالم             نستخدم عقولنا للإستفادة منها فلن نكتسب الفائدة المرجوّة. فالتنفيذ الحقيقي هو الذي يصنع التغيير المنشود.

الفصل الثالث
المزايا العشر للإنسان الفعّال

تبحث الفصول القادمة في شروط التفوق والنجاح ، ليس نجاح القارئ على حساب غيره بل نجاحه الشخصي الذي يسهم في تقدم مجتمعه ، وما أن تفرغ من قراءته حتى تجد أن شيئاً ما فيك يدفعك لتقوم بتغيير نفسك ، ولكن ذلك لن يتمّ دفعة واحدة.
كما تُعلِمُكَ هذه الفصول كيف تستخدم عقلك وكيف تتعامل مع الآخرين برقيّ ووعيّ وبلوغ ومرونة ، وتنظر إلى الحياة بتفاؤلٍ وإيجابيّةٍ وثقة ، إلى أن تُحقِّقَ أمل الله فِيكَ فتكون مبادراً وراشداً توازن بين متطلبات حياتك المختلفة.

لماذا كرّم الله الإنسان وفضَّله على جميع مخلوقاته:
"ولقد كرّمنا بني آدم". الإسراء
ليس في قدرته العضلية ، بل إنّ تميز الإنسان عن غيره من المخلوقات هو فيما حمله من أمانة ، وما فيها من خصائص الإرادة والقدرة على الاختيار والتغيير. قال تعالى: "إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبيْنَ أن يحملْنَها وأشْفَقْنَ منها وحملها الإنسان إنّه كان ظلوماً جهولاً". الأحزاب
ظلوماً لأنّه لم يعطِ تلك الأمانة حقّها ، ولم يقدّرها حقّ قدرها ، وجهولاً لأنّه لم يعرف قدر نفسه وتميّزه عن كلّ مخلوقات الله ، وإمكانياته في الاختيار والتغيير فلم يستخدم كلّ الطاقات الكامنة فيه.

فكرة سريعة على هذه المزايا

صُنفت هذه المزايا في عشرة عناوين: اجتهدتُ وأبديْتُ رأيي فيما وجدته أكثرَ ملائمةً ... وقد يكون للقارئ رأي آخر:
أولاً: الذكاء العاطفي: أو الرشد ، فبالرشد يتعزّز مبدأ التعاون الإيجابي مع الآخرين لِما فيه منفعتنا ومنفعتهم بدلَ الصراع           والتنافس.
ثانياً: العقل العلمي والتفكير السليم.
ثالثاً: روح المبادرة والتفاؤل والتفكير الإيجابي: فكثيرٌ من فشلنا ينتج عن يأسنا وتشاؤمنا ونظرتنا السلبيّة إلى حياتنا وظروفنا.
رابعاً: التكيّف والمرونة وقبول الآخر: لأن رفضنا للآخر لمجرد مخالفته لنا أو اختلافه عنّا يعطيه الحق ليرفضنا لنفس الأسباب.
خامساً: إدارة الوقت بفعّاليّة: أي نعمل على تنفيذ الأهم في حياتنا ، ولو لم يكن عاجلاً فنسعى لتحقيق التوازن في استثمار            وقتنا.
سادساً: وضوح الهدف.
سابعاً: فهم آليات التفاوض: في الحياة الشخصيّة كما في العمل لا نحصل دوماً على ما نستحقّه ، بل على ما نعرف كيف           نفاوض عليه.
ثامناً: المواصفات الشخصية التي تجعلنا نقوم بأعمال ومواقف تعزّز رصيد احترامنا لأنفسنا وثقة الآخرين بنا.
تاسعاً: الفكر الاستراتيجي واتخاذ القرار: أي معرفة آلية اتخاذ القرارات.
عاشراً: التوازن بين العقل والجسم والروح: فَنُولي اهتمامنا بعملنا وعائلتنا وصحتنا ، ونكرِّس وقتاً للاستعداد لإتقان عملنا ،          ونكتسب مهارات جديدة نرفع بها مستوى معيشتنا دون إرهاق أنفسنا.
     إنّ فقدان الإنسان لواحدة من هذه المزايا أو بعضها أو حتى كلّها لا يحتّم فشله في مجمل الحياة أو أحد جوانبها ، ولكنّ غيابها         يحتّم عدم تفوقّه ، كما أنّ غيابها في أفراد المجتمع يقود إلى فشل المجتمع وتخلفه.

تنبيه:
كنتُ ومازلتُ أفتخر بديننا وتراثنا وأخلاقنا ... ولكن ما أن نبدأ بتطبيق الأفكار على الواقع حتى نكتشف أنّها جديدة وغريبة ومفاجئة لكلّ ما تعودنا عليه ... ولن تثمر محاولاتنا ما لم نفهم آليات التطبيق ... وهذه الآليات والمهارات مهمة للانتقال من واقع حياة السُّبات إلى حياة الفعّاليّة والعمل والنشاط وميلاد الحضارة ... ولكلِّ إنسان الحقّ في أن يختار؟!

المزيّة الأولى: الذكاء العاطفي أو الرشد

الذكاء العاطفي: هو القدرة على استخدام وتطويع العواطف والمشاعر ، وهو أهم مزايا الإنسان الفعّال ، ومفتاح نجاحه في اكتساب المزايا الأخرى ... فعندما نصبح راشدين نعرف كيف: نتحكم ببرودٍ بأفعالنا ونفكر ملياً فلا نتسرع في تصرفاتنا.
ونديرُ الغضبَ والإجهادَ في أنفسنا فنتخلص من الحقد والحسد والعداء. ونعيد تأطيرَ نظرتنا إلى أنفسنا ومَنْ حولَنا فننظر إلى الحياة بتفاؤل وإيجابيّة وإقدام.
وننمّي في أنفسنا روح التعاون مع الآخرين ومسامحتهم ومؤازرتهم ، ونطِّور حبّ الاستماع إليهم وقبول اختلافهم بالرأي معنا.
ونُحْسِنُ تحديدَ أولوياتنا ونعمل على تحقيقها باتخاذ قرارات صائبة ونتفاوض مع الآخرين بحكمة.



العلاقة بين الذكاء الطبيعي والذكاء العاطفي:
إنّ الذكاء الطبيعي مهمٌّ ، ولكنّ الذكاء العاطفي هو أكثر العوامل أهميّة في القدرة على التغيير ، وهو الشرط الحاسم لنجاح الأفراد والمؤسسات ، لا سيمّا – أنّه وخلافاً للذكاء الطبيعي الموروث – يمكن تحسينه وتطويره في أيّة مرحلة من مراحل عمرنا.
ويقول العالم النفسي جوزيف منكوسي: "إنّ ما يستطيع الإنسان تغييره هو معلوماته وعلمه ، وليس درجة ذكائه ... وكما يختلف الناس في ذكائهم المعرفي الإدراكي فهم يختلفون أيضاً في ذكائهم العاطفي. ومن العدل: أنّ الله لا يحاسبنا على درجة ذكائنا الطبيعي الذي لا حول لنا فيه ولا قوة ، ولحسن الحظ أنّ أثره في سلوكنا أقلّ بكثير من أثر ما نستطيع تغييره وهو الذكاء العاطفي ، وهو ليس وراثياً بل مكتسباً".

لماذا نعتبر الذكاء العاطفي مهماً في حياة الإنسان وشرطاً أساسياً لفعّاليّته:
إنّنا نحكم على إنسان أنّه ذكي عاطفياً من خلال سلوكه ومهاراته التي تجعله ينجح في الحياة ويشعر فيها بالسعادة ونصنّفه مع العباقرة.
وترتكب المؤسسات أكبر الأخطاء عندما تبحث عن الذكاء ومعدل النجاح في الجامعة ومستوى الشهادات العلميّة ، وتتجاهل الذكاء العاطفي والرشد والحكمة والبلوغ ، فما يهمّ أكثرَ للنجاح والتعايش مع الآخرين هو معرفتنا بأنفسنا وَبِهِمْ ، وقدرتنا على التكيّف معهم بروح المرونة والمبادرة والتفاؤل والإيجابيّة.
مثال من القرآن الكريم: قصة سيدنا لوط عليه السلام ... فعندما سعى رجال من قومه ليقوموا بفعلتهم الشنيعة لم يسألهم فيما إذا كان بينهم رجل ذكي أو عاقل أو متعلم أو مثقف ولكنه سألهم: "أليس منكم رجل رشيد". هود

أهم ثمار شيوع الذكاء العاطفي:
1- تبادل الثقة بين أفراد المجتمع – المدير وموظفيه ... صاحب الحرفة وصانعه ... بين المدير والمعلمين ، إذا عرف هؤلاء         كيف يُرَبِّتون على أكتاف مرؤوسيهم فيؤازرونهم ويساعدونهم ويرحمون زلاّتهم ويشجعونهم على تكرار المحاولة ... فإنّ       النتائج تكون أكثر إيجابيّة.
         إنّ تبادل الثقة مع من يستحقونها دليل النضج واحترام الذات. والثقة ترتبط بالأمانة والصدق وحسن التعامل مع                   الآخرين.
2- وشيئاً فشيئاً تنمو المزايا الراقية ، ويزداد رصيدها فتعمّ ثقافة الاحترام المتبادل ... وهذا مالمستُه في كثير من المجتمعات          الغربيّة. وما نفتقده في مجتمعاتنا ... (للأسف).
3- ومن أهم ثمار شيوع الذكاء العاطفي: أننا نتخلص من مشاعر الحقد والحسد والكراهيّة والشعور بالقلّة أو النقص ، فنتعلّم أنّ مكاسبنا لا تكون ولا ينبغي أن تكون على حساب إخفاق الآخرين ، فلا نربح على حساب خسارتهم ، ولا نفوز على أنقاض فشلهم ، بل نسعى لتلك النتائج التي تجلب الرضا للجميع ، وتقدم الخير للمجتمع ، بالتعاون والعمل والتواصل معاً ، والتغلب على المصاعب معاً ، والاحتفال بالنجاح معاً.
     والإنسان الفعّال يعلم أنّ تبادل الثقة بين الناس شيء جميل ، ولكنّه يعلم أيضاًَ أنّها عندما تكون في غير محلّها تجلب لنا المتاعب ، فكثيرٌ من المشاكل يمكن تلافيها بالصراحة والوضوح وتسجيل العقود والاتفاق ، ويعلّمنا القرآن الكريم أن نسجل العقود مهما كانت صغيرة أو كبيرة ، حتى الدَّيْن البسيط ، قال تعالى "ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً" البقرة.
 4- والإنسان الفعّال لا يسلّم نفسه لأحد لئلا يضطر ليركض خلفه نادماً على حسن نيته وطيبة قلبه ، هو يحتاط من الوقوع      في المطبّات.
 5- إنّ الذكاء العاطفي هو الذي يمنحنا الثقة والقوة والشجاعة لئلا نخجل أو نخشى من قول (لا) للآخرين ، وخاصة أؤلئك         الذين يريدون أن يستغلوا طيبتنا وحرصنا على المحافظة على سمعتنا ، وعندما نفقد الشجاعة في قول (لا) للأمور التي لا         تنسجم ولا تتناسب مع خطتنا وأهدافنا ومصالحنا وقيمنا ، فإننا نسمح للآخرين باستغلالنا وانتهاك حرمة حياتنا             وحريتنا ووقتنا.
  6- يمتاز الذكي عاطفياً بالسيطرة على غضبه.
       يقول منكوسي: "إنّ ردود الأفعّال الناجمة عن الإجهاد والضغوط والانفجار غضباً دليل على انخفاض الذكاء العاطفي،         أمّا أن تكون هادئاً عند الشدّة تعرف الصواب الذي يجب أن يُفعل أو يُقال فهي أمثلة على ارتفاع الذكاء العاطفي".
       ألا يمكن أن نعتبر هذا شرحاً مبسطاً وموجزاً للحديث الشريف: "ليس الشديد بالصرعة .. إنما الشديد الذي يملك              نفسه عند الغضب" أخرجه الترمذي ومسلم

الغضب أسبابه ونتائجه وآثاره السلبية في حياتنا:
الغضب ردُّ فعلٍ عاطفيٍّ قويٍّ على نقدٍ أو تصرفٍ من طرفٍ آخرَ قد يقود إلى حالةٍ من العُنْف. ويمكن التّمييز بين نوعيْن من النقد:
النقد الهدّام: ويتمثل في الرغبة في الإيذاء والسخرية والتحقير.
النقد البنّاء: ولا يصدر إلاّ من شخص يودّ لرفيقه النصح والخير.

متى يستوجب الغضب؟!
هناك أمور تستوجب الغضب حقاً ، ومن الحكمة في حالات عديدة أن تُظهر لابنك أو تلميذك أو مرؤوسيك أنّك غاضب ، ولكنّ السرَّ في السيطرة على المشاعر والتحكم بها ، بأن تمارسَ الغضب المضغوط متى شئت وتمتنع عنه متى شئت ، يقول سقراط: "أن نغضب مع الشخص المناسب وللدرجة المناسبة في الوقت المناسب ولهدف مناسب وبطريقة مناسبة". كي نصل بوعي لتحقيق مآرب محددة والوصول إلى أهداف معينة.

العلاقة بين الغضب والفعّاليّة:
إنّنا بحاجة ماسّة لذلك الشعور الداخلي بالأمن والسلام ، بعيداً عن الغضب والهرج والمرج والمجادلة العقيمة ، كي نستطيع أن نعيش حياة فعّالة ، وقليلٌ هم الذين يعالجون الأمور بحكمة وهدوء عندما تسير بشكل خاطىء ، وعندما نكون راشدين نستطيع أن نفكر بحكمة مع ما يثير غضبنا ، وتزداد قدرتنا على تنظيم استجابتنا ونتحاشى العواقب الوخيمة لتصرفاتنا التي تَعوّدنا أن نقوم بها ثم نندم عليها ، ومهما كانت الذاكرة قويّة والعقل مبدعاً ، فإنّ الذكاء العاطفي أهمُّ من ذلك كلّه في مساعدة الإنسان على إدارة حالات الغضب والتوتر.

الكظم – آلية الغضب:
لقد مدح الله سبحانه وتعالى من لهم القدرة على كظم أنفسهم وسمّاهم المحسنين ، قال تعالى: "والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين".
ويُعرَّفُ الكظم بأنّه: الضغط المقصود لدافع يعتبر ظهوره مصدر خطر ٍ بالنسبة للفرد ، وهو رمز قوة الإرادة والشخصية.
وحالات السيطرة التي نقصدها والتي ندعو أن نوليّها اهتمامنا هي إمساك النفس عند حالات تستوجب الغضب وتستحقه.
والإنسان الراشد يقبل الأمر ويصبر ويهدأ إذا لم يكن باليد حيلة ، أو يبحث عن البدائل والحلول.
وكثيراً ما نغضب لأنّنا نريد أن يكون الآخرون نسخةً منّا فإمّا أنْ يقوموا بالأمور على طريقتنا فلا ننزعج ، أو أن نغضب لنأخذ بثأرنا ، وقد يدفعنا سوء الطالع للغضب ، يقول جودت سعيد: "فإذا حصل لك يوماً شعورٌ بالانفعال جعلك تضربُ شيئاً أمامَك لعجزِك عن حلّهِ بِسُبُلِهِ الصحيحة ، أو رأيتَ من يفعل ذلك ثم أتبع عمله بقوله: هذا أمر غير قابل للحل ، فاعلم أنّ هذا الموقف غيرُ علميِّ وغيرُ تاريخيِّ وغيرُ إنسانيٍّ ، لأنّ العلم والتاريخ رحمةٌ وعفوٌ وتسامحٌ وهدايةٌ وأملٌ مشرقٌ وليس يأساً مُطْبِقاً".

كيف نكتسب مهارات إدارة الغضب:
لا يمكن اكتساب مهارات إدارة الغضب بمجرد قراءة هذه السطور ، مع عدم نكراني لأهمية القراءة ، بل إنّ ذلك يحصل بالممارسة والتجريب وتكرار المحاولة الواعية بعدَ الأخرى دون يأس ، مع ثقتنا أنّ تغيير المواقف والمشاعر التي لا نحبّها ممكنٌ وضروري ، ابدأ ْ بتجربةِ ذلك مع أوَّلِ حدثٍ كان يثير فيك حالةَ الغضب والاهتياج ، جرّبْ هذه المرة بَدَلَ الحركة أن تتوقف ، وبدل الوقوف أن تجلس ، وإن أمكن فاستلق ِ على أريكة مريحة واخفض من صوتك وفكّر بطريقة أكثر هدوءاً من المعتاد ، حاول أن تبطىء في كلّ شيء.

التفاوض بين ظاهرتَي ردّ الفعل المندفع والمتأخر:
يبيّن الدكتور حسن وجيه كيف يمثّل التوقيت السليم للقول والفعل معاً أحد أهم عناصر التفاوض الناجح. إنّ صفة من يملك نفسه عند الغضب ، هي تحقيقٌ لقسط كبير من حريّةِ الإنسان ومسؤوليته ، وإنّ الفعّالين من الناس يقدّرون هذه المسؤولية الفرديّة عن أفعّالهم ويُقِرّونَ أنّ أعمالهم ومواقفهم وتصرفاتهم هي من نتائجهم.
إنّ من السّهل علينا أن نلوم الآخرين ونتهمهم على ما نقع فيه من مشاكل ، ولكن نادراً ما نلوم أنفسنا عندما جعلناها مستباحة لأؤلئك المستغلين والمتطفلين ، ولا نعترف فنقول : لقد كنتُ مخطئاً في طريقةِ تعاملي مع فلان فضيّعت وقتي وكنتّ درويشاً مع فلان فخسرت مالي.

من دلائل الذكاء العاطفي القدرة على التعايش مع الآخرين:
عندما يتعامل الإنسان الفعّال مع الآخرين بمفهوم وموقف الكلّ يربح ، فإن ذلك يعبّر ذلك عن رُشدِهِ وذكائه العاطفي لأنّه بوعيه وعقله المنفتح يقبل فوز الآخرين معه.
والارتفاع من الاتكاليّة إلى الاستقلاليّة ، هي خطوةٌ مباركةٌ ، لأنّ الاستقلاليّة والثقة بالنفس بالِغةُ الأهميّةِ في الوصول إلى علاقة مثمرة من التعاون مع الآخرين ، ولكنّ الفعّاليّة تستلزم منّا الاستعداد للعيش معَ الآخرين على أساسِ التعاونِ المشتركِ لمصلحةِ الجميع.
إنّ ثقافة الربح المشترك win-win هي ثقافة التعاون والمؤازرة وعمل الفريق ، وإنّ أمراض الغيرة والحسد والشّعور بالقلّة والتنافس على مصدر محدود ، تولّد مشاكل وأزمات يوميّة في علاقتنا مع أنفسنا ومع الآخرين من حولنا ، ويجبُ أَنْ يتوفر هذا الأمر في عددٍ كبيرٍ من الأفراد لينطلقَ المجتمعُ بهم نحوَ التطورِ والحضارة.
ولهذا فإنّ الآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". الرعد
تتكلم عن تغيير قوم لا عن تغيير فرد وحده ، فعندما يغيّرُ مجموعةٌ من الناس ما بهم من حالةِ التنافس والصراع إلى حالةِ التعاونِ والتآزرِ يغيّرُ اللهُ ما بهم من فقرٍ إلى غنى ومن جهلٍ إلى علمٍ ومن قلّةٍ إلى وفرةٍ ومن سقمٍ إلى صحةٍ ومن ذلٍّ إلى عزّة.
إنّ التسامح والإيثار شيءٌ جميل ، ولكن هناك فرقٌ كبير بين محاسن الطيبة والتسامح التي نتمناها في أنفسنا وفي غيرنا ، ومساؤى السذاجة التي تجعل الآخرين يستغلون أخلاقيتنا وطيبتنا.

أهم مزايا الإنسان الفعّال والمجتمع الفعّال

إنّ حبَّ الذاتِ واحترامَها وحبَّ الآخرين واحترامَهم مظهرٌ من مظاهر الذكاء العاطفي ... فالرّشدُ الذي يُفْضي إلى السّيطرة على مشاعرنا وانفعالاتنا وغضبنا وردود أفعالنا هو نفسُهُ الذي يدفعنا إلى الرّفق في التعامل مع الآخرين ، والتعاون وتبادل الثقة معهم والإحسان إليهم والمبادرة إلى خدمتهم والتواضع لهم وعدم الإساءة إليهم.
وقد سجّل الكاتب أكثر من عشر قواعد من عالم النفس الأمريكي جوزيف منكوسي ... أغلبها تأكيد لما عرضه من أفكار ، أمّا القاعدة الحادية عشرة التي أعجبتني فهي: وهي غير واقعيّة ... نعم لكن آثارها مدهشة سحريّة ، إنّها المثاليّة في حبّ الآخرين ، فلا نكتفي بأن نبادل إحسانهم بإحسان بل أن نبادل إساءتهم بإحسان وهي قمة الذكاء العاطفي ، ونجد هذه القاعدة في توجيهات القرآن الكريم قال تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم". فصلت
وفي تعاليم السيد المسيح عليه السلام "أحبّوا أعداءكم باركوا لاعِنيكُمْ ، وصلّوا لأجل الذين يسيؤون إليكم".

المزية الثانية : العقل العلمي والتفكير السليم

يُروى عن أنس بن مالك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سمعَ ثناءً على رَجلٍ فسأل: كيف عقلُه؟ فتحدث القوم عن عبادته وخلقه وأدبه وفضله ، فسأل: كيف عقلُه؟ إنّ الأحمقَ العابدَ يُصيبُ بجهله أعظمَ من فجور الفاجر ... وإنّما يقرِّب الناس من ربّهم بالزلف على قدر عقولهم".
فلا جدوى من محاولة إقناع الإنسان بضرورة تغيير مواقفه وسلوكه واكتساب مهارات جديدة لتحسين فعّاليته إذا كان لا يزال يؤمن بالحظ والقدرية وكرامات الأولياء وخوارق العادات ، أو كان متعصباً لفكرة أغلق عقله دون فهم غيرها ، أو مقلّداً يقتفي أثر الآباء والأجداد.
التفكير: عملية إيجابية مقصودة ينفرد بها الإنسان عن سائر المخلوقات وتمثّل جوهره وأهم خصائص تميزه ، وإذا لم يعرف الإنسان كيف يتعلّم ما يغيّر حياته ، فإنّ رأسه سيمتلأ بفضلات المعلومات التافهة.

آراء متنوعة حول التفكير والمعرفة
- سقراط: كان سقراط يعتقد أنّ سبب الخطأ والخطيئة هو الافتقار إلى المعرفة وأنّ السبب الأول للشرّ هو الجهل ، وأنّه         للوصول إلى الخير لا بدّ من اكتساب المعرفة.
- جودت سعيد: يرى "أنّ ما يحتاجه الشباب المعاصر هو: أن يُوَضَّحَ لهم أنّ عدمَ القعود عن تحصيل العلم واكتساب القدرة     على التفكير السليم هو ما يقرّبنا إلى الله تعالى ، وهو ما يجعلنا نفهم ديننا وأخلاقنا وعاداتِنا بشكلٍ صحيحٍ ... ، فسوءُ       الفهم ِ والتقديرِ لعقيدةٍ صحيحةٍ لا يقلُّ خطورةً عن تبنّي عقيدةٍ مغلوطة.
- ويفخر اليابانيون: أنّ أهمّ مصدر ثروة عندهم عقول الناس ، ويُجمع المفكرون اليابانيون وكلّ من درس وحلّل التجربة       اليابانيّة: أنّ التعليم السليم هو السرّ الذي يقف وراء النجاح المذهل في عالم الأعمال والصناعة.

التعليم في الوطن العربي
1- تبلغ الأمية في العالم العربي (43%)  60 مليون بالغ أميّ معظمهم من النساء في أوائل القرن الحادي والعشرين ، وهذا        طبعاً الأميّة الهجائيّة – من لا يعرف القراءة – ولا فرق كبير بينها وبين الأميّة الثقافيّة – وهي تعلّم القراءة والكتابة دون      أن نقرأ – حيث قدّرت مجلة العربي نسبة الأميّة الثقافيّة في التسعينات ب (70%) ، والأسوأ نتيجةً من كلتيْهما الأميّةُ          التقنيّةُ التي قاربت نسبتها نتائج الانتخابات في الدول العربية والإسلامية.
2- ومِنْ أَوْجهِ قلّة اهتمامِ العالَم العربي بالعلم ِ والثقافةِ من خلالِ ما يُتَرْجَمُ إلى العربية سنوياً: "بلغ مجموع الكتب المترجَمة        إلى اللغة العربية منذ عصر المأمون وحتى الآن نحو مئة ألف كتاب ، وهو ما يوازي تقريباً ما تترجمه إسبانيا في عام             واحد".
3- يعتمد التعليم عندنا على التكديس وحشو المعلومات ، وهذا ليس ميزة بقدر ما هو عائق دون القدرة على التفكير السليم      وتحليل الأمور بشكل معقول.
4- طريقة التعليم والامتحان قائمةٌ على حشو المعلومات ، دون ترك متسع لأدمغتنا للإبداع والتحليل والتفكير السليم.
5- النظام التعليمي لم يعد صالحاً ولا بدّ من تغييره جذرياً كي تكون المعرفة سبباً في تحسين نوعية الحياة التي نعيشها لنسهم       في تطوير مجتمعنا.
6- نحن بحاجةٍ إلى تطويرِ هيكليةٍ فاعلةٍ تُعطي العلماءَ والباحثينَ مكانَتهم الطبيعية وتُعْلِي شأنَ المفكرين وترفعُ منزلة البارزين      داخلَ المجتمع وتبرزهم كقدوة ونماذج تَحْتَذي بها الأجيال الناشئة ، بدلاً من إبراز بعض الممثلين التافهين والرياضيين          الفاشلين.

الاعتقاد والتفكير في الوطن العربي
الاعتقاد العقلي: هو نتيجةُ البرهان والدليل وهو ما يطالبنا به العلم والقرآن على حدٍ سواء فلا نؤمن بما لا برهان عليه "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" البقرة.
والإنسان الفعّال: يحرّر نفسه من الأوهام والخرافات بمثل ما يحرّر نفسه من نتائج الفهم الخاطئ للحقائق والممارسات العديمة الجدوى ، الأبراج ... الأولياء ... وهل هناك أكثرُ جهلاً ممن يتصوّر أنّ بشراً يمكن أن يفيدوه بما لا يفيده الله؟!! وإن كان يؤمن أنّ الله يفيده ويستجيب له فلم يدعوهم من دونه ؟! وهذه كلّها عقبات في التفكير العلمي الصحيح.
وكلّ الأمور غير الاعتيادية تعود إلى ألعاب الخفة والسحر. فَزَمَنُ الخوارقِ والمعجزاتِ قد ولّى إلى غيرِ رجعة ، والمعجزة الوحيدة التي يجب أن نبحث عنها ، هي العلم والقوانين الكونية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل.
في برنامج اسمه طاقة الإيمان: في أمريكا عرض أحد علماء الفيزياء – سبق له أن مارس ألعاب الخفة وعرف أسرارها – جائزة بمليون دولار لِمَنْ يثبتُ أنّه قادرٌ على ممارسة أية قدرة خارقة تخالف العلمَ واستمرّ في عرضه ثلاث سنوات ولم يتمكن أحد من الفوز بتلك الجائزة.

وسائل الإعلام ودورها في تعطيل التفكير وتعميق الجهل
معظم البرامج التلفزيونية أصبحت ترسّخ الكسل والتواكل والاعتماد على الحظ ... من سيربح المليون ... وزنه من ذهب ... اليانصيب ...
وهذا مثال من البرامج الجادّة: أعدّوا في رمضان برنامجاً يشرح أسماء الله الحسنى: وعندما أرادوا آية تشير إلى أنّ الله جبّار أتى معدّ البرنامج بهذه الآية "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار".
وكلمة جبّار هنا لا تشير إلى صفة من صفات الله الحسنى إنّما هي صفة من طبع الله على قلوبهم.
فهل اكتشف القارئ لماذا يكون التفكير السليم شرطاً من شروط الفعاليّة ومزيّة من مزايا الإنسان الفعّال؟!

عقبات تحول دون التفكير السليم

1-                      الاعتقاد أنّ قدم الرأي برهانٌ على صحته:
      إنّ اليقين ليس دليلاً على صحة مواقفنا وآرائنا ، وأكثر الناس يقيناً قد يكون من أكثر الناس جهلاً. ومن الاعتقادات           القديمة الخاطئة التي أثبت العلم عدم صحتها:
      - الاعتقاد أنّ الشمس هي التي تدور حول الأرض
      - بدء نشوء الأرض
      - عمر الكواكب
      إنّ من يتميز بالتفكير السليم لا يحكم على صحة القضية بكثرة عدد الذين يؤمنون بها ، فعقله هو الحكم ، وهو يعرف          أنّ الكثرة قد تدلّ على الانحراف أكثر من الصواب ، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: "ولكن أكثر الناس لايعلمون"،       "ولكن أكثرهم يجهلون" ، "قل هل يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث"
      وسيدنا ابراهيم (أمّة) وحده. فالجماعة ما وافق الحق ولو كنتَ وحدَك.
2- سلطة الآبائية وعالم الأشخاص:
     لقد استنكر القرآن الكريم موقف الذين يقتفون آثار آبائهم دون إعمال عقولهم: "بل قالوا إنّا وجدنا آباءنا على أمة وإنّا       على آثارهم مهتدون". الزخرف
     "وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون" البقرة.
     ومن الفعاليّة ألاّ تتردد في وضع أولئك الذين علّموك وأرشدوك في صغرك في ميزان تقييمك دون الإساءة إليهم.
     علينا أن نفكر بعقولنا ، ولا نتمسك إلاّ بالحق والعلم والتفكير السليم والأعراف القيّمة الصالحة.
3- التقليد:
     فالعاقل يجب ألا يقلّد عاقلاً مثله ، فأجدر به ألا يقلّد جاهلاً أو متعالماً ، فليس من الكرامة اتباع الآخرين دون تقييم أو       تفكير.
4- المسايرة:
     والإنسان الفعّال ليس من النوع المساير بل عادة ما يخالف العادة والمألوف بتفكيره وسلوكه.
     كتب رالف إيميرسون عام 1841 (وهو الذي أثر في الثقافة الأمريكية حتى الآن):
     "لتكون عظيماً يجب أن يساء فهمك ، التزم بفعلك وهنئ نفسك إن كنت فعلت شيئاً غريباً ومسرفاً وحطمت رتابة          عمر ٍ محتشم ..."
      لقد أُسيء فهم كل العظماء ، نوح وابراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام ومارتن لوثركينغ وغاليلو .. ونحن نعتبرهم        اليوم من خيرة الرجال.
      ويومَ عارَضَ محمد علي كلاي الحربَ الأمريكية على فيتنام حُكِمَ عليه بأنّه خائن ومتقاعس ، وقال حينها: "لن أقوم          بعمل يخالف مبادئي ولو وُجِّهَتْ الرشاشاتُ إلى صدري" ، ثم أصبح نموذجاً يحتذى به للإنسان الأمريكي بعد أن             أثبتت الأيام صحة موقفه.
      أكّد على نفسك ولا تقلّد أبداً واصنع لنفسك مداراً من صنعك أنت لا من صنع أبيك أو أمك أو رجل الدّين أو             أستاذك ؟!!
     ويستطيع الإنسان أن يغيّر ويراجع حتى دينه ومعتقده إن ثبت له أنّ معتقداً آخر أكثر صحة ..؟! افعل دائماً ما تخشى        فعله...؟!!
5- التعصب
     والتعصب لفئة أو فكرة أو عقيدة يخنقُ الإنسانَ فلا يسمح بحريةِ التفكيرِ ، وهو يولّد نظرة ذاتية للأشياء والأحداث           والأفكار.
6- وعندما يعجز الإنسان عن التغيير أو يجهل الأسباب التي توصله إلى النتائج السليمة أو يتكاسل عن أداء واجبه فإنه ينسب      النتائج التي لا تعجبه إلى القدر وأمر الله الذي لا ردّ له.


إنّ الإيمان بالقضاء والقدر من ركائز الإيمان:
ولكن ليس من الإيمان أن نُسقط نتائج عجزنا وفشلنا وتقاعسنا وتوكلنا وإهمالنا على القضاء والقدر ، وكأنّ عدم قبولنا بنتائجها هو اعتراض على أمر الله ، وقد استطاع الحكام الظلمة على مرّ العصور عن طريق المشايخ وفكرة أنّ الإنسان مسيّر وليس مخيّراً أن يقضوا على الرغبة في التغيير ، لأنّ الواقع هو إرادة الله. وقد كثرت الطرق الصوفية في سورية والجزائر أيام الاستعمار الفرنسي.

كيف نفهم القدر كطريقة للتغيير:
إذا كانت مظاهر التخلف أقداراً ، فيجب أن نعلم أنّ الإيمان والتقوى والعبودية لله لا تمنعنا من مقاومة هذه الأقدار بأقدار غيرها ، فالتعلّم قدر والفعاليّة قدر والحضارة قدر ، فلِمَ لا نعترف بالقدر إلاّ عندما يكون سيئاً ؟! وكأنّما إرادة الله هي دوماً خلاف مصلحتنا فهي استعمار .. تخلف .. جهل .. مرض .. مصائب ...
عندما ظهر الطاعون في أرض ٍ أشارَ الخليفة عمر رضي الله عنه للصحابة بالخروج منها وسأله أحدهم: أتفرُّّ من قضاء الله وقدره؟ قال: نعم نفرُّ من قضاء الله وقدره إلى قضاء الله وقدره.

كيف نتخلص من هذه العقبات:
إنّ العلم هو الضمان الوحيد للتخلص منها جميعاً ، فالعلم هو الميزان وهو الذي يميّز الخطأ من الصواب وهو الذي يحلّ كلّ الخلافات ، بما فيها تفسيراتنا لآيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة ، وهو ما قرره الله سبحانه وتعالى: "قل هاتوا برهانكم إن كنتم تعلمون" النحل ، "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا" الأنعام.

العلم وتفسير بعض آيات القرآن الكريم
إنّ كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" ، ولكن لا بدّ من الاعتراف بأنّ فهمَنا لكثيرٍ من الآيات هو فهْمٌ كَسْبيٌّ يختلف باختلاف الأزمان والعصور.
1- إنكار بعض المشايخ لقدرة الإنسان على الوصول إلى القمر . في تفسير قوله تعالى "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن      تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان". الرحمن.
     وكأنّ أقطار السموات والأرض بتفسيرهم هي المساحة بين الأرض والقمر ؟!
 2- تفسير آية "ويعلم ما في الأرحام" وأمور كثيرة تحيّر كل من لا يقتنع أن الله أطلق يد الإنسان في الكون وسخره له بعد       أن نفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته.
          والمسلمون اليوم يفهمون أو يفترض أن يفهموا كثيراً من آيات القرآن ، ولا سيّما التي تتحدث عن حقائق علميّة أفضل            مما فهمها كلّ مَنْ سبقهم ، فاللاحقون يجب أن يكونوا أعلمَ من السابقين وهذه سنّة تَرَاكُمِ العلم.
          وليس عيباً أو حراماً أن نعيد النظر في طريقة فهمنا لآية من القرآن الكريم أو حديث شريف ، لم يكن أحد يجرؤ على              مناقشة صحة حديث ورد في البخاري ، ولكن في السنوات الأخيرة تجرأ بعض رجال الدّين المتنورين على النظر بشك             إليها ، مثل حديث أبي هريرة عن آدم "خلق الله آدم عليه السلام وطوله 60 ذراعاً فلم يزل ينقص حتى الآن". وأصبح             ينظر إلى إعادة النظر فيها على أنّه تنّور وجرأة ، لماذا أقول كل هذا الكلام؟! ولماذا أتحدث عن القرآن والحديث ووضع            طريقة فهمنا لهما بميزان العلم؟ لئلا أترك هامشاً للقارىء الشاب أن يستثني من تقييمه وإعمال عقله أي قول أو فكرة أو           شخص ، سواءً أكان عالماً أوشيخاً أو مفكراً أو إماماً جليلاً ، لكلّ هؤلاء نقول: "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"               ولكل هؤلاء نقول "هل عندكم من علم فتخرجوه لنا".


    سنن الله في خلقه:
    إنّ التفكير السليم شرط من شروط الفعّاليّة ، وهو ينطلق من معرفة أنّ لله في الكون والبشر سنناً (قوانين) لا تتغير ولا تتبدل ،      نكتشفها بالمعرفة ونحققها بالعمل فنتمكن من خيرات الحياة ونجني مواسمها.
    "فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً" فاطر. "سنة الله في الذين خَلَوْا من قبلُ ولن تجد لسنة الله تبديلاً". من هذه      السنن:
أ‌.        هلاك المجتمعات هو نتيجة للظلم
      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّما أهلَكَ منْ كان قبلكم أنّهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق              فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد".
ب‌.    سنة التغيير الواردة في الآية القرآنية:
     "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" الرعد.

     لماذا لا يستجيب الله للدعاء؟
     لأنّ على المشايخ وخطباء الجوامع أن يؤجلوا الدعاء إلى ما بعد دعوة الناس لتطبيق السنة والقانون ، والتوقف عن تجرؤهم         على الله والطلب إليه أن يغيّر سنته وقانونه ويغيّر ما بهم دون أن يغيّروا ما بأنفسهم.
     لا شك أن هناك دعاء الاستغفار وطلب الرحمة والتوفيق ونجاح الجهود ومطلوب فيه الإلحاح .. ولكن أن ندعو الله أنْ يغير ما      بنا دون أن نغير ما بأنفسنا هذا نوع من السذاجة والجهل.
     إنّ الله تعالى يقول: "وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم            يرشدون". البقرة
     أفليس من إيماننا بالله والاستجابة له وطاعته أن نخضع لسنة صحيحة واضحة في كتابه ونقتنع بصحتها ونطبّقها؟ فلنبدأ بتغيير       أنفسنا ثم نسأله المساعدة والعون لتغيير أحوالنا.

المزيّة الثالثة: روح المبادرة والتفكير الإيجابي

أقوال:   إيمرسون: "إنّ أؤلئك الذين يعتقدون أنهم يستطيعون عادةً ما يَغلبون"
         حديث شريف: "إنْ قامت على أحدكم القيامةُ وفي يده فسيلةٌ فَلْيغرسها"
         ستيفن كوفي: "الإنسان الفعّال يحمل طقسه معه .. فسيّان عنده أكان الطقس ممطراً أم مشمساً"


كيف تتجلى هذه المزية في سلوك الإنسان الفعّال:
1-الإنسان الفعّال هو الذي يعطي الحياة والظروف من حوله معاني الفرح والبهجة والحيوية ، بينما تتحول بوجود البليد إلى خريف بارد رمادي حزين وممل.
2-النظرة الإيجابيّة سلوك يمكننا ممارسته في حياتنا ، لأنّ سعادتنا وإحباطنا وتفاؤلنا وتشاؤمنا وكثيرٌ من مواقفنا تعتمد كثيراً على الطريقة التي بإرادتنا نصنع بها طريقة تفكيرنا.
3-استقبل يومك بتفكير متفائل وقل لنفسك سوف أغتنم منه ما استطعت بتفاؤل وثقة وأمل.
4-ابتعد عن ذوي النظرة السوداويّة ، وابحث لنفسك بدلاً منهم عن إنسان متفائل يحبّك ويشجعك ويعزز محاولاتك لتكون أكثر تفاؤلاً وثقة ، واعلمْ أنّك إن توقعت الأسوأ فستحصل على الأسوأ وإن توقعت الأفضل فستحصل على الأفضل هكذا بكلّ بساطة ...
5-التشجيع له أهمية كبيرة تشجيع الأم – رئيس العمل – القائد .. يقول ماوتس كونغ: "لا تدع قلبك ينكسر في مخالب الآلام .. وانظر إلى العالم بصدر رحب".
6-التفكير الإيجابي يعلّمنا كيف نحبّ الحياة ويجعلنا نستخفّ بالموت لأنّه قدر ومحتوم ، وبالمصائب والمشاكل لأنّنا نعرف أنّها جزء من الحياة.
7-ولكن يجب أن ننتبه أيضاً إلى أنّ الثفة بالنفس لا تأتي من الهواء ، إنّ البناء المتواصل في رصيدك الشخصي وتغيير حقيقة نفسك ، هو ما يساعدك على التفكير بإيجابية ويجعل منك إنساناً متفائلاً.
8-إذا أحببت أن يثق الناس بك ويحبوك فلا بدّ من أن تكون موثوقاً ومحبوباً ، وإنْ لم تكن بحقيقتك كلّ ذلك فلن تستطيع وسيلة في العالم أن تقنع الناس أنك شريف ومثقف ومتحضر وقوي.

     ماذا تعني روح المبادرة
1- إنّ روح المبادرة لا تعني التدخل في شؤول الآخرين والتعدي على خصوصياتهم.
2- كما أنّ المبادرة لا تعني أن نجبر أنفسنا على القيام بأمور لا نستطيعها وتقع خارج دائرة سيطرتنا وتتجاوز قدراتنا ، بل        تعني أن نضع أهدافاً وخططاً تتناسب مع قدراتنا وأن ننمّي كفاءاتنا باستمرار وأن نغتنم الفرص فكثير من الفرص لا          تتكرر أبداً.
3- الإنسان الفعّال لا يستكينُ لسوء طالعه ولايذعن لظروفه بل يكافح من أجل تحقيق أهدافه ويسعى باستمرار إلى تحسين        واقعه.
4- إنّ روح المبادرة والشعور بالمسؤولية الذاتية والقيمة الذاتية هي ملكةٌ وخلقٌ وعادةٌ تميّز بها الإنسان الفعّال عن غيره من        الناس.
5- من الناس من ينتظر معونة الآخرين دائماً وغالباً ما يفشل ، ومنهم من يبادر ويبحث بنفسه عن أساليب ووسائل يحلّ بها       مشكلاته ومشكلات غيره.


      أثر الفعاليّة ومزية التفكير السليم على الفرد والمجتمع:
      وقد ضرب الله مثلاً لنوعيْن من الناس ليُبَيّنَ لنا الفرق الشاسع بين الإنسان الفعّال المبادر المبدع وذلك العالةِ الكلالةِ المعطَّلِ         الساكن "وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كلٌّ على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي       هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم" النحل.
      والفرق بين الإنسان الفعّال الذي يأمر بالعدل وضدّه الكلّ على مولاه فرقٌ كبير فهو نقيضه تماماً ، وهو كالفرق بين الهداية        والضلال والربح والخسارة والعدل والظلم ، والخيار بينهما خيارٌ بين الفاعل والمفعول به ، خيار بين النجاح والفشل               والنشاط والخمول والحياة والموت.
      والمجتمع الذي يتكون أعضاؤه من بشر فعّالين مبادرين متكيّفين يحسنون فن العيش مع زملائهم ويتحملون مسؤولية أعمالهم        ويؤدون واجباتهم قبل المطالبة بحقوقهم ، يختلف بما لا يُقاس عن مجتمع مكوّن من بشر يتصفون بالكلالة والعطالة وإهمال           الواجب وعدم التعاون.

       مقياس الأمم:
       إنّ الأمم لا تُقاس بعدد أفرادها بل بنوعية هؤلاء الأفراد وفعّاليتهم. يقول الحديث الشريف:
       "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكَلَةُ إلى قصعتها فقال قائل: من قلةٍ نحن يومئذٍ ، قال: بل أنتم كثير ولكنّكم          غثاءٌ كغثاء السيل".
        يقول الرئيس بشار الأسد في مقابلة له مع قناة الجزيرة "لبنان أصغر دولة عربية ولكنّه أنجز ما لم تنجزه الدول العربية               مجتمعة ؛ تحرير أرضه بقواه الذاتية فهل يكون دولة صغرى أم كبرى؟! ... هناك دولة فاعلة وهناك دولة غير فاعلة هذا هو          الأساس".
        وكثيراً ما يقف أؤلئك السلبيون يوسوسون صباح مساء للفعّالين من الناس ألاّ يحاولوا لأنّ الوضع ميؤس منه ، ويقولون لهم         مالذي يمكن أن تفعلَهُ شمعةٌ واحدةٌ وسط الظلام الدامس ؟! كفاكم جنوناً وفلسفةً وعودوا إلى الواقع ، فإن لم تعودوا اليوم         فسوف تعودون غداً خاسئين نادمين محبَطين ؟!

        الإنسان الكل:
هو الإنسانُ الذي يشعر أنّه مسيّرٌ لا فائدة تُرجى من عمله أو محاولته ، يلومُ الظروف والآخرين حيناً ، والأبراج والحظ والنجوم أحياناً أخرى ، ولا ينسى نصيبَ الشيطان والاستعمار والسلطة الظالمة ، أمّا الفعّال العدل يجتهد لتحسين ظروفه ووسائله ويحول كلّ طاقة كامنة فيه إلى فعل.

كيف نحقق السعادة:
التفكير الإيجابي يمنحنا السعادة ، ففي العمل الجاد النافع سعادة ، وفي البذل والعطاء والتضحية سعادة ، وفي تقديم الخير للمجتمع سعادة ، كما نجد السعادة في الاعتزاز بكرامتنا وفي حبنا للناس ومحبتهم لنا ، وفي التحرّر من الهلع والقنوط ، وفي نبذ اليأس والتردد والتشاؤم.
إنّ الناس عادةً يعانون من الوهم أكثر مما يعانون من الحقيقة والواقع ، وإنّ أحزان الكثير من الناس تعود إلى نظرتهم الخاطئة إلى أنفسهم وإلى العَالمَ مِنْ حولهم.
إنّ من يجابهُ الحياة بشعور الأمان والواقعية ومعرفة الناس وقبولهم كما هم يكون عادةً أكثرَ فعاليّةً وسعادةً من ذلك الذي يشعر بعدم الثقة بالآخرين وعدم الأمان معهم.
والإنسان الرّاشد لا يخشى من أخطائه ولا يعتبرها نهاية العالم بل فرصة جيدة للتعلّم فالتجارب الصعبة التي لا تقتلنا تجعلنا أقوى.

عودة إلى ضرورة تغيير ما بأنفسنا:
بعد قراءتي لكتاب المفكّر جودت سعيد: "حتّى يغيّروا ما بأنفسهم" وتكرار القراءة له ومحاولة فهمه وبعد مطالعتي للكتب الأجنبيّة ولا سيّما كتب البرمجة اللغوية العصبية ، وجدت نفسي أفهم موضوع التغيير بطريقة جديدة ، لم أكن أدري أنّ الأستاذ جودت يقصد أنّ هناك مفاهيم وجراثيم فكريّة ما لم نعمل على التخلّص منها فلن تتغيّر مواقفنا من الحياة ، وما لم تتغيّر نظرتنا إلى أنفسنا والعالم والناس من حولنا فلن يتغيّر ما بنا ، فطالما كنّا نظنّ أننا لا نستطيع فلن ننجح ، وطالما اعتبرنا أنّ التخلف قدرنا فلن نتقدم ، وطالما اعتقدنا أنّ الكرامات والحظ والصدفة هي التي ستحلّ مشاكلنا فسنعيش مشاكلنا وتشاركنا الحياة ما حيينا ، وطالما أسقطنا نتائج عجزنا وكسلنا وتواكلنا على الاستعمار والظروف والشيطان والآخرين وبرأنا أنفسنا فلن نتغير.

كيف نتعامل مع المشاكل:
يقول ريتشارد باندلر "عندما يتغير – المنظار – الذي ننظر فيه للأحداث يتغير معناها بالنسبة لنا ، وعندما يتغير معناها تتغير استجابتنا – ردود أفعالنا - تجاهها." حيث يمكننا أن ننظر إلى:
النقد: على أنّه دليل على عملنا ونشاطنا وليس أداةً لهدمنا.
وأنّ الطلاق: كارثة اجتماعية وليس رحمة للخلاص من زوجة مشاكسة.
والمرض: ابتلاء وتجربة ومثوبة للصابر .. تماماً كما ننظر إلى الجوع في الصوم على أنّه صحة للجسم ومغفرة وتدريب للنفس على الصبر وبذلك تغدو تلك الأحداث والتجارب وحياتنا كلها وما يمرّ بها خبرة مفيدة صقلتنا وجعلتنا أقوى دون أن تقتلنا.
وعادةً ما يغضب الناس ندماً على ما مضى ، إنّ ما مضى لن يفيد إلاّ في التعلّم والعبرة , ولنكون أفضل في تجارب قادمة ، يقول الحديث الشريف "استعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإنّ (لو) تفتح عمل الشيطان".
كما أنّنا وعلى نفس القدر وكما يجب ألاّ نستسلم لماضينا يجب أن نعيش ساعتنا الراهنة مستفيدين من تجارب الماضي ومتطلعين إلى المستقبل.
لا شكّ أنّ هناك طرقاً أجمل في النظر إلى الأشياء وتكمن فعّاليتنا في اكتشاف هذه الطرق وامتلاك المرونة اللازمة للتحول إليها واعتمادها وتطبيقها.

الأفكار والمفاهيم وأثرها في السلوك:
إنّ الأفكار التي تدور في عقلك وتؤثر في سلوكك وحياتك وتخرب عيشتك تقع كلها تحت سيطرتك ، إنّ كثيراً من الناس يشعرون باليأس والتعاسة والإحباط ، ولا يدرون أنّ ذلك يعود إلى إطلاقهم العنان لعقولهم للتفكير بالسيء من النتائج ، والتعاسة ليست صفة العقلاء كما اعتقد أبو الطيب المتنبي:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله                          وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وإن كان يريح بعض الناس أنّ يَعْزوا تعاستهم إلى عمق تفكيرهم ورجاجة عقولهم ، وقد يؤكدون تعاستهم ليظهروا فهمهم وحكمتهم ، فالحقيقة أنّ للتعاسة مصدراً آخر مختلفاً.
إنّ مناقشة الأفكار والمفاهيم ليس ترفاً فكرياً فالأفكار لها قوة كبيرة وآثار خطيرة .. فهي تبني وتهدم وتحيي وتقتل وهي التي أشعلت نار الحرب العالمية وهي التي تجعل شاباً شهماً في مقتبل العمر وبكامل الصحة يضع قنبلة على خصره ويفجّر لحمه ودمه لينتقم لبلده وقومه من أعداء الإنسانية من الإسرائيلين الغاصبين .. إنّ من يعتقد أنّ الدنيا معبرٌ للآخرة وإنّها دار امتحان واختبار يتبعها الجزاء والعقاب ، وأنّ حياتنا أساسٌ لحياة الأجيال التي تأتي بعدنا ولا بدّ من ترك إرث حضاري وماديّ لهم ، وأنّ علينا أن نستثمر مواردنا في حياة أفضل ، يرى أنّه لا بدّ من ضرورة تغيير الكثير من المعتقدات لتغيير السلوك والنتائج.
وفي بناء الأهرامات والجهود التي بذلت لإقامتها والغاية من ذلك ، كلّ هذا يعلّمنا درساً واضحاً هو أن نتائج أعمالنا تكون صائبة أو خاطئة بقدر ما تكون معتقداتنا ... ولولا معتقدات الفراعنة عن الحياة بعد الموت لما بذلوا تلك الجهود والأموال ولبذلوها في نشاطات مختلفة ومجديةٍ أكثر.
وعندما نطمح إلى تغيير حقيقي في النتائج فيجب أن نكرّس طاقة كبيرة للعمل على تغيير الأفكار.
ويطلق مالك بن نبي مصطلح - الأفكار الميّتة - على الأفكار التي لا تزال تجول في أنفسنا على الرغم من أنّها فقدت الحياة وكأننا ننبش في مقبرة الحضارة ، ومصطلح - الأفكار القاتلة - على تلك التي نستعيرها من الغرب دون بصيرة ، وعادةً ما تكون أسوأَ ما عندَه فنكون كمن يستورد من مزبلة الحضارة.

كيف نتمكن من تغيير أفكارنا ومواقفنا:
إنّ السرّ الأكبر في القدرة على تغيير مواقفنا هو في أن نكون حاضري الموقف ، واعينَ لأنفسنا ، مدركين كيف تتشكل مفاهيمنا ونظرتنا إلى العالمَ من حولنا ، عندها يمكننا تقييم أفكارنا ومعتقداتنا ومفاهيمنا ، ونعيد النظر في ذلك كلّه ، وإلاّ فإننا سنكرّر أخطاءنا ولا نبرح مكاننا.
إنّ حضور الموقف ووعيه آليةٌ ما إن تبدأ دورتها لدى الإنسان فلن تتوقف أبداً ، ونموّ الإحساس بالوعي ، وتنمية الحضور الذهني يميّز الإنسان الفعّال عن غيره من الناس.
يقول الإمام الحسن البصري: "ما من يوم ٍ تطلع فيه الشمس إلا ينادي مناد: يا ابن آدم ! أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد ، فاغتنم منّي ما استطعت ، فإنّي لا أعود إلى يوم القيامة".
إنّ الموقفَ الإيجابي من الحياة ، وقبولها كما هي مزيجاً من السعادة والبؤس ، والنجاح والفشل ، والكدّ والمرح ، يخفّفُ الكثير من آثارِ وضغوطِ الحياة علينا.
ويعتقد معظم الناس أنّ الخير هو في النجاح المستمر ، وفي حصولهم على كلّ ما يريدون ويتوقعون ... وهذا غير صحيح دوماً ، والحقيقة أنّنا ما لم نقع في الفشل والحيرة ومواجهة المشاكل والصعاب ، فإنّنا نواجه من الحياة ما سهل منها ، وستكون الحياة مملّة متشابهة رتيبة.
ويقول جودت سعيد: "إذا رأيت الناس يائسين من تغيير أوضاعهم وحلّ مشكلاتهم ، فاعلم أنّ سبب ذلك هو اليأس المبين.. واليأس هو قرين الكفر ... "إنه لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون".
ويقول الأستاذ جودت سعيد: "إنّ من يعلم أنّ المشاكل خاضعة للسنن ويمكن كشفها ، يتسمُ سلوكه بالإيجابية والإقبالِ على العمل بجدٍ ، بينما يظلّ الآخر الذي أنكرَ أو جَهِلَ السنن في حيرة ، وإذا بدأ يعمل ، فإنّه يمكن أن يترك عمله في منتصف الطريق ، ويمكن أن يصرفه عنه أيُّ صارفٍ تافهٍ ... وبمقدار ما يدرك الإنسان سنن الله ويعمل بحسبها ، فإنّه يتخلص من نفسية التشاؤم والانكماش ، وينطلق في حياته متفائلاً على بصيرة".

المزية الرابعة: التكيّف والمرونة وقبول الآخر

"اللهمّ امنحني الصبر لقبول ما لا أستطيع تغييره والشجاعة لتغيير ما أستطيع ، والحكمة للتمييز بينهما".

تعاريف:
1- يعرّف الدكتور مصطفى فهمي علم الصحةِ النفسيّةِ بأنّه "علم التكيّف أو التوافق النفسي الذي يهدف إلى تماسك الشخصيّة ووحدتها ، وتقبل الفرد لذاته ، وتقبل الآخرين له بحيث يترتب على هذا كلّه شعور بالسعادة والراحة النفسية".
2- والتكيّف: هو قدرة الفرد على التوافق مع نفسه ومع من حوله للتمتع بحياة خالية من الاضطرابات ، ومليئة بالحماسة والنشاط. يقول الدكتور فائز الحاج: "إذا كان الإنسان وانسجامه مع البيئة المتخلفة ليس مؤشراً لطيفاً ، وعندما يكون الوسط الذي أرغمتك الظروف على العيش فيه أحمقَ وغيرَ راشدٍ ، فمن علامات الفعاليّة ألاّ تنسجم معه إلاّ بمقدارِ ما تريد تغييرَهُ وتتحاشى شرَّهُ ، أو تكون الشاهد الراشد الذي يرقب المرض ويبحث عن وسيلة لشفاء المريض."

ما ليس من التكيّف (أوضاع خاطئة للتكيّف):
1- أن تنحدر لتكون مثل الآخرين ... فيرضون عنك ويحبونك.
2- أو في التعصّب والاندماج والتقليد.
3- أو في التنازل عن الشخصيّة والانهزام أمام الأكثريّة المنحرفة.
4- ومن أشكال عدم التكيّف ، أن نتثقف ثقافةً أو نتعلّم علماً لا يتناسب مع البيئة التي نعيش فيها.
5- وليس من التكيّف أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة في مواجهة ما لا يعجبنا.
6- وليس المقصود بالتكيّف القدرة على التكيّف مع ظروف يكرهها الإنسان.

مالمقصود بالتكيّف؟
المقصود بالتكيّف أن تفهم الناس من حولك .. أفكارهم .. مشاعرهم .. وجهات نظرهم .. أهدافهم ... توقعاتهم .. فهذه حياة المرونة والديناميكيّة التي تعبّر عن طبيعة التعايش مع المجتمع وقبوله والانخراط فيه.
فالناس الفعّالون يعتبرون أنّ من الطبيعي للأشياء والبشر والأفكار أن تختلف وتتغير ، ويتوقعون من هذه التغيرّات أن تكون عاملاً مفيداً للتطور ، ويرون الحياةَ المتبدلةَ المتنوعةَ شاقةً ومثيرةً على حدّ سواء.

التكيّف والمرونة:
التكيّف يتطلب المرونة ، فالمرونة صفة ملازمة للحياة ، وصفات التصلب والقساوة والتخشب ملازمة للموت والفناء. ولكنّ المرونة لا تعني الضعف والانهزام والاستسلام ، فهذه ميوعة وليونة ، والحكمة تقول: "لا تكن صُلْباً فتُكسَر ولا ليناً فتُعصَر".

هناك نتائج سلبية وأخرى إيجابية للمرونة:
عدم المرونة: هو العناد وركوب الرأس ، وهو ظاهرة متفشيّة في العالم المتخلف.
المرونة: قد تدفعنا أن نَنْغلب أمام مَنْ نحب ، أو تقديراً لمصلحة دائمة تهمّنا أكثر من الفائدة العاجلة ، لأنّنا سنكسب على المدى البعيد ، فالمرونة هنا والتنازل فضيلة ، وكذلك إذا انسحبنا من مجادلة أو عراك مع إنسان جاهل ، قال تعالى: "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" الفرقان.

متى تنقلب المرونة إلى ضعف وانهزام:
- نعم عندما يكون هدفك هاماً ومحقاً ، وتؤمن إيماناً عميقاً بضرورة تحقيقه ، فيجب ألاّ تتراجع عنه ولو كلّفك حياتك.
- وعندما يتعلق الأمر بأفكارك وحريتك وتحرير أرضك وحفظ كرامتك وصون أهلك ، وعندما يكون دفاعك عن حقِّ مظلوم أو تحقيق مثل أعلى ، فليس هنا وقت للمرونة والتفكير بالمصالح والأولويات ، ولا وقت للتساهل والانسحاب ، إيّاك أن تتراجع.
- لم يكن الرسول عليه السلام مسايراً عندما جاءه بنو قريش يعرضون عليه التنازل عن دعوته ومبدئه ، بل قال: "والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، أو أَهْلَكَ دونه."
- وعندما يضحي الفلسطينيون بدمائهم ، ويقفون بشجاعة ورجولة لنيل حقوقهم وحريتهم وأرضهم ، فهذه عزة وشرف وإباء.
- وعندما تقف سورية ولبنان بصلابة وثبات لاسترجاع آخر شبر من الجولان وجنوب لبنان ، فهذا ليس عناداً بل مفخرةً ونبلاً.
- إنّ الأقوى هو من يختار غالباً طريقَ التفاهم ِ والمرونةِ والكياسة.
   يقول الحديث الشريف: "إنّ الرفق لا يكون في شيء إلاّ زانه ، ولا ينزع من شيء إلاّ شانه".
  ويقول: "إنّ الله يحبّ الرّفق ، ويعطي على الرّفق ما لا يعطي على العنف ، وما لا يعطي على سواه".

الفعّاليّة والمرونة:
- الفعّالون يتعلّمون كيف يتعايشون مع ما لا جدوى من محاولة تغييره ، سواءً أكان مصائب أو أقداراً أو ظروفاً ، ويركّزون اهتمامهم على تلك الأمور التي يستطيعون تغييرها في أنفسهم وخارجها.
   يقول "الإمام جعفر الصادق": "إنّ الله أراد بنا وأراد منا ، فانشغلنا بما أراده بنا عمّا أراده منا".
- إنّ المرونة لا تعني الهروب من الواقع , ولا تعني أننّا سنتخلص من كل مشاكلنا , بل تعني القدرة على التماشي والتكيّف معها.
- إنّ المرونة من أهم مصادر القوّة , ومن واجب الموجهين والأساتذة والمرشدين أن يعلموا طلابهم ومريديهم كيف يشقّون طريقهم في الحياة , ويختارون مهنتهم ويتكيّفون مع الظروف المتجددّة .
-  إنّ الإبداع هو المرونة والقدرة على الاستجابة بصورة ملائمة للمؤثرات الجديدة والظروف الجديدة .
-  إنّ الشخص الجامد غير المرن لا يتقبل أيّ تغيير ويختلّ توازنه , وتضطرب علاقته بالآخرين عندما يجد نفسه في بيئة جديدة.
-  إنّ فقدانَ المرونة والقدرة على التكيّف في مواضع أكثر أهمية , ولاسيّما في الأفكار والسلوك والعادات, واستيعابَ المتغيرات الجارية في العالم من حولنا , وتغييرَ آلياتنا ووسائلنا ومناهجنا وخططنا وعلاقاتنا لتأخذ بعين الاعتبار هذه المتغيرات. كلّ هذا قد تكون له آثارٌ خطيرةٌ , وخاصةً عندما تقف عائقاً دون تطورنا , أو تسبب لنا أزماتٍ وكوارثَ مع من حولنا .

قبول الآخر:
- إنّ قبول الآخر لا يعني أن نقبل عادات وتقاليد الآخرين بتطبيقها على أنفسنا ، بل أن نفهمَ أنّ علينا أن نكون متسامحين في طريقة عيشهم التي اختاروها لأنفسهم.
- إنّ الاختلافات في الرأي ووجهات النظر بين مجتمع وآخر وبلد وآخر بل بين مناطق مختلفة في بلد واحد ليس مشكلة  ولا أزمة، بل أمراً طبيعياً ، وهو سنّة الحياة ومصدر روعتها ، ولكننّا نحن من نخلق هذه المشاكل والأزمات ، عندما نبالغ في تضخيم الاختلاف مع الآخرين ، ونخترع ونضيف إليه ، فنبتعد عنهم ونستمر في تبادل الاتهامات معهم.
- وأفضل طريقة لفهم الحقائق هو السفر والسير في الأرض ، ورؤية الناس الذين يختلفون عنّا في الدين والثقافة والعرق ، عندها نكتشف كم هم قريبون منّا.
  والله يأمرنا أن نسير في الأرض وننظر ونتعلم "قل سيروا في الأرض فانظروا" العنكبوت.
  "إنّ الإجماع والاتفاق بعد المناقشة والحوار والتوضيح والإقناع لتسوية التناقض ، هو رشد ووعي ورحمة وحضارة".


التعامل مع الآخر:
لقد لاحظتُ بعد كلّ هذه الأزمات التي نعيشها مع الآخرين ... أننا نرتكب خطأ جسيماً عندما ننوي (أسلمة) الإنسان قبل تحضيره (أي جعله متحضراً). فالإنسان المتحضر مهما كانت عقيدته ودينه ، لا يشتم مَنْ يخالفه في الرأي ولا يتهمه بالعمالة ، ولا يقاتله ويسعى لتصفيته ، ولو كان هذا المخالف على غير دينه وفكره وعقيدته.
إنّ الله تعالى قَبل الحوار مع الشيطان ، لا إكراه في الدين ، لا إكراه في الرأي هذه هي الحضارة والرشد، يقول الأستاذ جودت سعيد: "الإسلام دين الحوار ، والقرآن يقبل وجود الكفار ويحاورهم ، وقد حاور الله إبليس ، فكيف ينتج لدينا فقهاء يحللون دم مخالفيهم".
فالإسلام دين المحبة والسلام ، والرسول رحمةٌ مهداةٌ للعالمين ، وإنّ الله تعالى لم يوافق أن يكون الرسول وصياً على الناس وأفكارهم:
1-           "لست عليهم بمصيطر"  الغاشية.
2-           "وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل" الأنعام.
3-           "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" يونس.
يقول الأستاذ جودت سعيد في شرح آية "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى"أنّ لا إكراه في الدين هو الرشد ، وأنّ الإكراه في الدين هو الغيّ ، هنا تبين عندي الرشد من الغيّ ، عند ذلك لم أفهم هذا فقط ، بل فهمت ما بعدها من تتمة الآية التي تقول: "فمن يكفر بالطاغوت" الذي هو الإكراه وكل من يعتمد على الإكراه ، وفهمت ما بعدها حين يقول: - ويؤمن بالله – الذي لا إكراه في دينه ، عند ذلك فهمت تمام الآية أيضاً حيث تقول: "فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها".

صدام الحضارات:
لقد كَثُرَ الحديث في السنوات الأخيرة عن صدام الحضارات ... إنّ الحضارات لا تتصادم بل تتكامل ، والله تعالى يقول: "ياأيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا" الحجرات.
لكنّ أصحاب المصالح الممروضون أرادوا لها أن تتصادم حتى يحققوا مصالحهم ويشفى غليلهم ...
إنّنا بحاجةٍ أكثر من أي وقت مضى لمزية المرونة والتكيّف وقبول الآخر ، وإن كانت هذه حاجة بشرية لكلّ أمم الأرض: فيجب أن نتميز بها عن كل الأمم ، لأنّها من صميم ثقافتنا وديننا وأخلاقنا التي ابتعدنا عنها جميعاً .. ومهما كان موقف الآخرين منا ، يجب ألا نغير موقفنا منهم".
كما يجب أن نعلن موقفنا كلما أتيحت لنا الفرصة ، وأن لا نتردد في مواجهة كل من يريدون إشعال نار الفتنة ، والعودة بنا إلى عهود الظلام والجهل.
إنّ الاختلاف والتناقض والتنوع في الثقافات ليس مشكلة العالم ، بل هو ما يجعل العالم جميلاً وشيقاً ... ومالم يدرك الناس ويقبلوا أن هناك ثقافات مختلفة ، وأنّ للناس طرقاً مختلفة في الاستجابة لمشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وطرقاً مختلفة في حبهم وكرههم وطعامهم وشرابهم ولباسهم وعباداتهم ، وعشرات الاختلافات الأخرى ، فلا يمكن أن يلتقوا أو يتفاهموا أو يتعايشوا.

المزية الخامسة: إدارة الوقت

قال رسول الله: "لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة ، حتى يُسأل عن أربع ... عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن علمه ماذا عمل به " أخرجه الترمذي.
ويقول الحسن البصري: "ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وينادي مناد: يا ابن آدم أنا خلق جديد ، وعلى عملك شهيد، فاغتنم مني ما استطعت ، فإني لا أعود إلى يوم القيامة".
هذا الفصل: لم يُكتب لمن يضيّعون أوقاتهم دون طائل ، بل لأؤلئك الذي يعرفون قيمة الوقت ، ويشعرون أنّ الساعات المتاحة لهم لا تكفيهم لتأدية كلّ واجباتهم ، فيساعدهم على تنظيم أوقاتهم بكفاءةٍ وإتقان لتحقيق طموحاتهم.

مالمقصود بإدارة الوقت:
ما نقصده بإدارة الوقت هو أن ندير أنفسنا بعلاقتها بالوقت الجاري ، الذي لا يتوقف ولا يتجمّع ولا يتغيّر، وذلك باستثماره بطريقة أكثر فعاليّة.
الوقت مصدرٌ ثابت ، وهو أغلى من الذهب لا يُعوّض أبداً ، فلا بد من إدارته وتوزيعه بشكل صحيح على نشاطاتنا ، وعلينا أنْ نعلم أنّه كما هناك أشياءٌ يجب القيام بها ، فإنّ هناك أشياءٌ لا بد من تركها ، وكلا الأمرين فنٌ لا بد من إتقانه.

حاجة المسلمين والعرب لإدارة الوقت:
يقول مالك بن نبي: "نحن - المسلمين - في حاجةٍ ملحةٍ إلى توقيت دقيق ، وخطوات واسعة لكي نعوّضَ تأخّرنا ، وإنّما يكون ذلك بتحديد المنطقة التي ترويها ساعات معينة من الساعات الأربع والعشرين التي تمرّ على أرضنا يومياً ، إنّ وقتنا الزاحف صوب التاريخ لا يجب أن يضيع هباء كما يهرب الماء من ساقية خربة ...
والتربية هي الوسيلة الضرورية التي تعلّم قيمة هذا الوقت ، فمن الصعب على شعب ثرثار أن يسمع الصوت الصامت لخطا الوقت الهارب.

مستويات إدارة الوقت

أولاً: مستوى إدارة الوقت التقليدية
في هذا المستوى نتعلّم حسن استخدام أوقاتنا يوماً بيوم وساعةً بساعة ، فنضع الخطة اليومية الأسبوعية والشهرية ونخطّط بأن نحدد ما نريد أن نفعله ، ونتساءل قبل النوم – كل يوم – هل نحن راضون عمّا فعلناه ؟!
ولكننا للأسف نتحاشى عن جمع بيانات لأنفسنا ، فهذا الأمر يزعجنا ولا نحب أن نعرف الحقيقة ، وبذلك لا نصل إلى حلول جديدة ومناسبة وفعّالة في إدارة وقتنا. واعلم أنك إذا فشلت أن تخطط فإنّك في الواقع تخطط لفشلك!
خطط كل صباح باكراً: ماذا ستعمل في هذا اليوم:
والحديث الشريف يقول "اللهم بارك لأمتي في بكورها" أخرجه أبو داوود والترمذي.
والمثل الانكليزي يقول: الساعات المبكرة تحمل الذهب في فمها ..، لكن تذكر: أنك لن تستطيع السيطرة على كل وقتك ، فهناك دوماً مشاكل وظروف خارجة عن إرادتك ، ويجب أن تقبل ذلك ، وإذا استطعت السيطرة على القسم الأعظم من يومك واستثمرته بفعالية ، فهذا جيد يجب أن تستمر بسؤال نفسك: هل يمكن القيام بهذا العمل بطريقة مختلفة أكثر كفاءةً ؟.
في هذا المستوى "إدارة الوقت التقليدية" ، لا بدّ من التعرف على قاتلات الوقت ، فتدرك كيف يضيع معظم وقتك بلا طائل؟.

1-          أولى قاتلات الوقت الكبرى: الاجتماعات
وأطرف ما قرأت عن هذه الاجتماعات: (وهذه صفة لكل الاجتماعات في الوطن العربي) "الاجتماع مناسبة نحرص فيها على الدقائق ونضيّع الساعات ، الاجتماع علاقة تبادل ، حيث يختار غير الراغبين من بين غير العارفين ، ليُقادوا من غير المناسب لمناقشة غير الضروري ، لكتابة تقرير غير هام ، أفضل اجتماع هو من مجموعة ثلاثة أشخاص أحدهم مريض والثاني مسافر ..."
يجب ألاّ تُعقد الاجتماعات إلاّ لأهدافٍ وأسبابٍ محددة ، وعندما لا يمكن أن تحلّ المشكلة بوسائل أخرى.
ولاجتماع فعّال: "ادعُ الناس الملائمين فقط ، وزّعْ جدول الأعمال قبل وقتٍ كافٍ على جميع المدعويين ، وبيّنْ فيه النتائج المرجّوة منه ، ابدأ ْ في الوقت المحدّد وأَنْه ِ الاجتماع في الوقت المحدد ، ولا تسمح بخروج عن الموضوع الذي حددته ، وأخيراً حدّد الخطوة التالية ... ماذا بعد الاجتماع؟ وتأكّد أنّ كلّ من حضره سيحصل على المحضر".

2- ثاني قاتلات الوقت الكبرى: الهاتف
فإذا رنّ جرس الهاتف ، أوقف كلّ من في المنزل ما يقومون به ... يركض أحدهم ويصل إلى سماعة الهاتف ، فينصت الجميع مفترضين أن أمراً ما حدث على الطرف الآخر من الخط ؟!! إنّ للهاتف سحراً خاصاً على الجميع..
ولتكون فعّالاً ومنصفاً في إدارة وقتك: أَعْطِ أولويةً للناس الحاضرين بأجسامهم وعقولهم على أؤلئك الذين يتصلون بالهاتف ولم يكلّفوا أنفسهم عناء المجيء إلى مكتبك.
ولاستخدام الهاتف بفعالية: حدّد الأمور التي تريدُ مناقشتها ، وشجّعْ محدثك أن يكون مستعداً ، وابدأ الحديث بالموضوع بسرعة ومباشرة واختصار ، وإذا كانت المكالمة طويلة والموضوع هاماً .. حدّد موعداً مسبقاً لها ...
وأخيراً لا بدّ أن نوضح أنّ الهاتف الذي يعتبر أحد قاتلات الوقت الكبرى يصبح عندما يستخدم بكفاءة وفعاليّة أداةً عظيمةً لتوفير الوقت بدلاً من إضاعته.



3- ثالث قاتلات الوقت الكبرى: المقاطعة
وأفضل وسيلة لتحاشي الآثار السيئة للمقاطعات: هو أن تتوقعها وتستعد لها فتصبح فواصل استراحة بين عملين ، بدلاً من أن تزعجك وتمنعك من أداء واجباتك ، حاول إنهاء المقاطعة بلطف وذلك بأنْ:
1. تتكلم مع الضيف وأنت واقف.
2. حددْ الزمن الذي تستطيع أن تصرفه مع زائر غير متوقع ... (قل له أنك ستمنحه خمس دقائق(
3. الحل الآخر هو ألاّ تفتح بابك: تعاليم القرآن الراقية علمتنا:
   "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم". النور

- ولإتقان عمل ٍ ضروري يتطلب التفكير والتخطيط ، أو القيام بأعمال تحتاج إلى تحليل مميز ، أو أي عمل يحتاج إلى وقت من التركيز أو الإبداع ، امنح نفسك ساعة من الوقت المحميّ الهادىء كلّ يوم ... لا مقاطعات فيها ولا إزعاج ... أقفل الباب ... ارفع سماعة الهاتف ... اختفِ في غرفةٍ لا يتوقع أحد أن يجدك فيها.
- إنّ هذه التجربة: تكون أكثر إثارة وفائدة عندما يقرّر مكتب أو قسم أو دائرة ، أو جميع العاملين في إدارة أو مؤسسة، الاتفاق على ساعة محددة يكون كل واحد فيها بحالة عزلة كاملة تمنع فيها الزيارات والمقاطعات والاتصال من داخل المؤسسة وخارجها، ثم يعود بعدها العمل إلى حالته الاعتيادية الطبيعية، إنّ هذا سيساعد كلّ فرد ٍ في استثمار وقته بفعاليّة ، فلا يكون مزعجاً ولا منزعجاً.
- والقاعدة هنا تقول: إنّ ما يقاطعك يجب أن يكون دوماً أهم ممّا تقوم به وقت المقاطعة ... سواء أكان مصدر أهميته مصلحتك أو علاقتك بالزائر.
- عندما تصبح مديراً أو وزيراً: فسيكثر عدد الذين يرغبون في الحديث معك من الناس هكذا في كلّ العالم .. يحبون التكلم مع ذوي المراكز العالية ... والأمر الأكثر طرافةً أنّ يكون ذو المركز العالي هو من يحبّ أن يكلمه الناس ... ويغضب إذا لم يفعلوا فإذا لم تذهب إلى الوزير أو تتصل به حرصاً منك على وقته الثمين ، فسيعتقد أنّك لا تحبه. يجب أن تكون كاذباً ومنافقاً ومضيّعاً لوقتي ... فأحبك ، أمّا عندما تملك ذوقاً رفيعاً وتكره المحاباة والرياء والنفاق ... فسأحاربك ولن أفهم إلاّ أنّك تكرهني!!

4- رابع قاتلات الوقت الكبرى: عدم الشجاعة في قول (لا)
- إنّنا نحاول دائماً إسعاد الآخرين ومجاملتهم والمحافظة على سمعتنا ، وهذا ما يجعلنا نوافق على كثير ممّا لا وقت لدينا للقيام به ، ولا يتوافق مع أهدافنا وخططنا.
- عليك ألا تَعِدَ ما لا تستطيع ، وترفض كلّ طلب لا تنوي تلبيته – وإذا كنت لطيفاً إلى هذه الدرجة لتقول نعم لكل طلبات الآخرين ، فكن لطيفاً أولاً مع نفسك وعائلتك والأقربين إليك ، وقل (نعم) لواجباتك وأولوياتك قبل أن تقولها للآخرين.
- وأخيراً لا بدّ أن نوضح: أنّ قاتلات الوقت ليست دائماً مشاكل خارجية بل كثيراً ما يسببها أؤلئك الذين يشكون منها ... وحتى عندما تنشأ رغماً عنك ، فإنّ ما يهم هو موقفك منها ... فكم مرة كنت أنت المتصل بالشخص الآخر ، ثم لا تستطيع التخلص من حديثه؟ كم مرة دعوت ذلك الزائر الذي تبحث عن حل للتخلص من زيارته ومقاطعته؟ وكم مرة وعدت الآخرين وأغريتهم بالاستعداد لتلبية طلباتهم؟

قاتلات أخرى للوقت وكيف تتغلب عليها (ترجمة بتصرف):
1- المحاولة أكثر من اللازم ، وتنشأ عن وهمنا أنّنا نستطيع القيام بأيّ شيء.
2- الإدارة في الأزمات: تحدث الأزمات بسبب إرجائنا لأمور هامةٍ كان يجب أن نقوم بها مبكراً.
3- النقص في الالتزام: ومنشؤه الملل أو عدم حب ما نقوم به ، ولو كان واجباً هاماً ، أو عدم وجود الحافز...
4- ترك بعض المهام غير منجزة بالكامل ، وعليك أن تنظّم نفسك ، فتعرف كيف تعود للموضوع الذي تركته لتستمر فيه.
5- الاتصال الضعيف وسوء التفاهم: على المتكلم أن يحرص على استخدام الطريقة الأنسب للاتصال ، ويعطي المعلومات الكافية ليتيح للمتلقي أن يفهم بشكل كامل ما يريد إيصاله إليه.

المستوى الثاني في إدارة الوقت هو (البوصلة والساعة)
فليس من الكفاءة عندما ندير وقتنا أن نقلق بشأن سرعتنا في إنجاز الأشياء دون التساؤل فيما إذا كنّا في الاتجاه الصحيح أو الخاطىء. وأن نقلق في ضياع الدقائق ، فيما نضيع سنوات عمرنا في سيرنا في طريق لا يوصلنا إلى أهدافنا.
إنّ إدارة الوقت السليمة ليست سرعة في إنجاز الأعمال ، ولا هي في الحرص على إتقان هذه الأعمال فحسب ... فالأهم من السرعة والإتقان هو حرصنا على أن نكون على الطريق الصحيح ننجز ما يحقق أهدافنا ...
فالفعالية: في إدارة وقتنا تستوجب أن نعرف الأعمال التي تساعدنا على تحقيق أهم الأهداف التي سبق أن حددناها لأنفسنا ... فالتصرفات العشوائية لا تثمر نجاحاً ولا حضارة ولا تقدماً ... وعلينا أن نستثمر معظم وقتنا فيما يهمنا ويحقق أهدافنا.

المستوى الثالث في إدارة الوقت (إدارة الأولويات)
إنّ إدارة الأولويات من خلال تحديدها وإعطائها ما تستحق من الاهتمام يما يتناسب مع أهميتها هي ميزة لا غنى عنها للإنسان الفعال. والحالة المثالية: في إدارة الأولويات هي ألا نخطّ شيئاً واحداً في جدول أعمالنا ، ما لم يكن هاماً لتحقيق أهدافنا ... وأن تنال الأمور الأكثر أهمية جلّ أوقاتنا.
يقسّم "كوفي ودوغلاس" نشاطات الإنسان حسب أهميتها وإلحاحها إلى أربعة أنواع:
1- يندرج تحت النوع الأول: الأمور الهامّة العاجلة وهي نشاطات لا بدّ من القيام بها ...
2- ويندرج تحت النوع الثاني: الأمور الهامّة غير العاجلة ... تعلم لغة جديدة.
3- ويندرج تحت النوع الثالث: تلك الأمور الروتينيّة ، فهي عاجلةٌ ولكنها غير هامة ... الزيارات ... المكالمات ...
4- أما النوع الرابع: فتُصنّف تحته النشاطات المضيّعة للوقت ، فلا هي هامّة ولا عاجلة .. مشاهدة برامج المسابقات والمسلسلات وحلّ الكلمات المتقاطعة ومعرفة برجك اليوم.

والإنسان الفعال: يتميز عن غيره من الناس ، بأنه يُولي اهتماماً خاصاً للنوع الثاني من النشاطات (الأمور الهامّة غير العاجلة) والتي تُهمل عادة من قبل الآخرين ، لأنّها لا تلحّ عليهم ، وتحتاج منّا أن نبحث عنها ، ونركز اهتمامنا عليها. إنّ ما يحقق أهدافنا الأهم في حياة كريمة وسعيدة ويعطيها معنىً وعمقاً وطيبةً عادةً ما يكون غير عاجل.
 يقول ستيفن كوفي: "إنّ كلمة أولويات من "أوّل" يعني يجب أن تُنجز أولاً ... ويجب أن تتأكد أنّ ما تقوم به أولاً ... هو الأكثر أهمية لتحقيق أهدافك ..."
"إنّ السرّ ليس أن ترتب ما هو مسجّل في جدول أعمالك حسب أولوياته ، بل أن تحدد أولوياتك ثم تسجلها على هذا الجدول."
"وإذا بدأنا بإضاعة أوقاتنا فيما ليس له أثر في تغيير حياتنا نحو الأفضل فلن يتبقى لنا وقت نكرِّسه لما يفيدنا ويحقق أهدافنا."

ومن أسوأ العادات في إدارة الوقت (التسويف)
التسويف: هو إرجاء واجباتنا الناجم عن عاداتنا وسلوكنا ، أو عن عدم حب ما نقوم به ، أو قلّة اهتمامنا به مع أهميته لنا.
والتسويف مشكلة نفسية ، والتغلب عليها يتطلب منّا معالجة لعادة سيئة جداً نشأت وترعرت معنا ، ثم ترسخت فينا... ولا بدّ من الاعتراف بمساوىء هذه العادة بدلاً من تجاهلها وانكارها أو التكيّف معها ، وإلاّ فلن تتغير أبداً بل تزداد رسوخاً.
فالتسويف معضلةٌ كبيرةٌ في طريق تغيير أنفسنا وعاداتنا وعقبةٌ في طريق حسن الإدارة الحكيمة لوقتنا وممارسة حياتنا الفعالة التي نحب. "إنّ الأعمال الصعبة هي أعمال سهلة لم نقم بها في الوقت المناسب".
والمبالغة في تأجيل اتخاذ القرار هو أحد أسباب التسويف ، ويعود لرغبتنا الزائفة بالكمال ، وأن تكون قراراتنا صحيحة مئة بالمئة ، والمتنطعون الباحثون عن الكمال أقلّ نجاحاً وإنجازاً ، مع أنهم يبذلون جهداً أكبر من أؤلئك الذين يفهمون حقيقة الحياة ، ويعلمون أن الكمال وحده لله.
عندما تعترف بإنسانيتك كبشر لا كَمَال له ، فإنّك تبحث عن النتائج الجيدة بدلاً من الكاملة ، وتتوقف عن المبالغة في إرهاق نفسك دون شعور بالخطيئة ، وتتعلم أن تضحك من الحياة ومن نفسك ، وعندها تحب نفسك أكثر ويحبك الآخرون أكثر ، وتبني حياة أجمل وأكثر نجاحاً.

المستوى الرابع في إدارة الوقت (التوازن)
الكفاءة ليست في العجلة دائماً ، والفعالية ليست في السرعة ولا في استثمار كلّ دقيقة من وقتنا فحسب ... كما أنّه ليس من الفعالية أن نهمل مشاعرنا وعلاقاتنا وصحتنا وعائلاتنا بحجة أنّنا نحرص على الإنتاج والإنجاز. لا بأس عندما نتعامل مع الأشياء من ضبط الوقت ، ولكن عندما نتعامل مع الناس والمشاعر والعلاقات والحب يجب أن ننسى الساعة ، ومن الأخطاء الفاحشة في إدارة الوقت هو عدم القدرة على التمييز بين الظروف التي يجب أن نقيس فيها الوقت ، وتلك التي يجب فيها أن ننساه ونكون أكثر مرونة وتعاطفاً وتسامحاً ، ولذلك كانت المرونة اللازمة للتحول بين الحالتين ، والتكيّف مع الظروف جزءاً من فعاليتنا.
والمستويات الأعلى في إدارة الوقت لا تهتم بضبط استخدام كلّ ثانية ودقيقة ، بل في أن ندير وقتنا بحكمة ووعي لتحسين ظروف معاشنا كلّ ثانية ودقيقة ، وهذا يتطلب إزالة الإجهادات والضغوط.
والحقيقة أنّه "يلزمنا وقت أقلّ لنكون سعداء مرحين مرنين ومتعاونين مع الآخرين ممّا نحتاجه لنكون تعساء وعنيدين وعدوانيين".
إنّ من الحكمة أن نكفّ عن الإسراع في خطواتنا الحثيثة ... وأن نقف قليلاً لتقييم نشاطاتنا وسلوكنا وممارساتنا لأعمالنا ... فصرف ساعاتٍ في محاولة فهم أساليبنا في إدارة وقتنا وتوضيح أهدافنا ... ينقذ أشهراً أو سنوات من عمرنا.
وإذا كان الإجهاد والضغط أحد أسباب السكتات الدماغيّة والقلبيّة ، فإنّ إدارة هذا الإجهاد ، والذي هو بطريقة ما إدارة لوقتنا.. يحقق فعاليتنا وربما ينقذ حياتنا.
أفلا يزال أؤلئك الذين لا يرون ضرورة لإدارة الوقت متمسكين برأيهم؟

كان الرجل مريضاً يلهث وراء العمل بخطوات حثيثة.
قرّر اليوم أن يشفى .. فأبطأ خطاه ، وابتسم وفكّر جيداً ...
اعترف أنّ أهميته لنجاح العمل أقلّ بكثير ممّا كان يتصور.
وبدونه سيستمر العمل.
فوّض غيره بالقيام بالكثير ممّا اعتاد القيام به.
تعهد أن يتوقف عن الصراخ كالأطفال ، والغضب كالمعتوهين.
تعلم فن معاملة الأمور برفق ، لأنّ كثيراً منها لا يستحقّ كلّ هذه الجديّة.
فأصبح يعيش حياة طبيعية عادية ، ويمارس الهدوء ، ويعيش بسلام.

المزية السادسة: وضوح الهدف

الهدف: إنهّا كلمة السر والسحر في حياة الإنسان الفعّال.

ضرورة استمرار وجود الهدف في حياة الإنسان
إنّ من يضعون أهدافاً تنتهي حياتهم بانتهائها ... غالباً ما يموتون موتاً اجتماعياً أو عضوياً ، أو تنحسر فعاليتهم بعد تحقيق أهدافهم. واستمرار وجود الهدف هو من أحسن مصادر السعادة .. به نقدّر قيمة الحياة التي نعيشها ، وينعكس ذلك على النشاط في عملنا ، والانهماك في واجباتنا ، والفعاليّة في إنتاجنا .. فليس هناك أصعب من الملل الذي يصاحبنا عندما لا ندري ما يجب أن نقوم به في أيامنا القادمة ...
إنّ الإنسان بلا هدف يفقد اتجاهه ، ويضيع غايته من الوجود ، وتصبح حياته عبثاً واعتباطاً ويأساً ، ويقرّر واعياً أو غير واع أنّ الحياة فارغةٌ ومملّة.
إنّنا بحاجةٍ لأهداف واضحةٍ ومحددّة نستثمر وقتنا في العمل على تحقيقها ، كما أنّنا بحاجة إلى الوقت لتحقيق أهدافنا ... وتلك العلاقة السليمة بين إدارة الوقت وتحقيق الأهداف هي التي تساعدنا لنعيش حياةً متميزةً بالفعاليّة والإبداع ، ونحقق احترامنا لذواتنا فبتحقيق الأهداف نميّز نجاحنا من فشلنا ، ونقيّم فعاليتنا وجدوى جهودنا.
ومن لم يكن له هدف فلا داعي أن يقلق بشأن ما يجب فعله؟!! وكما يقال: بلا هدف إدارة الوقت كالمطرقة بلا مسمار ... كل طَرقِكَ - ومهما كان صلباً وقوياً - سيقودك إلى لا شيء.
التمييز بين النشاط والهدف
- الحقيقة أنّه ما لم نميز بوضوح بين النشاط والهدف المرجو من القيام به ، فلن نصل إلى شيء.
- إنّ مزيداً من العمل والجهد والسرعة لا يجعلنا أكثر نجاحاً أو أكثر إنتاجاً ، فالعمل الهادف وحده هو الذي يساهم في التغيير نحو الأفضل ... وعندما لا يكون للإنسان أهداف محددة وواضحة ، فلا جدوى من أي نشاط ٍ يقوم به مهما كان حثيثاً وشريفاً وخيّراً.

ضرورة الهدف للمجتمع
والهدف ضروري للفرد الواحد كما هو ضروري للمجتمع ... يقول المفكر الهولندي فريد بولكا: "إنّ العامل الحاسم في نجاح الحضارات هو وجود هدفٍ شامل ٍ ومعروف لدى أعضاء الجماعة ، ومعرفة ما يريدون تحقيقه في المستقبل."
وتكسب الجماعة الإنسانية صفة المجتمع عندما تشرع في الحركة من خلال التغيير اللازم للوصول إلى الهدف الواضح المنشود ... وهذه اللحظة التي يبدأ فيها المجتمع بالتغيير هي لحظة انبثاق الحضارة.
وكم من دوائرنا ومؤسساتنا تعمل بلا سياسة واضحة ولا هدف محدد ولا خطة أحياناً ... ثم نتساءل ... لماذا لا ننجح؟

كيف نحقق الهدف:
1- ولا بدّ من وجود خطة - استراتيجية - تبين لنا الطريق لتحقيق الهدف ... أن تريد شيئاً أمر سهل ... ولكنّ الإرادة وحدها       لا تحقق شيئاً. أمّا عندما تكرّس قدراتك العقلية والبدنية وتستخدم إمكانياتك المادية والمعنوية في سبيل تحقيق الهدف الذي          تصبو إليه ، فهذه هي المنهجيّة العمليّة والفعّالة التي تحصد النتائج.
     يقول طاغور: "سأل الممكن المستحيل: أين تقيم؟ فأجاب المستحيل: في أحلام العاجزين!"
2- لا بدّ من تقسيم الهدف الأقصى البعيد إلى أهداف جزئيّة مرحليّة ونبدأ من اليوم ثم نبني عليه في الأسبوع ثم الشهر القادم ...
3- إنّ الإسراع في إنجاز عمل ٍ ما لنوفّر وقتاً لا نعرف كيف نستثمره هي إدارةٌ غير موفقة للوقت ، وإدراكٌ غير موفق لخططنا         وأهدافنا.
4- عليك أن تراجع أهدافك القريبة والمتوسطة والبعيدة الأجل ، وتضعها جميعاً نُصْبَ عينيْك ، فيكون كلّ هدف حاضراً معك      في كلّ لحظة.

شروط الأهداف التي نستطيع تحقيقها:
1. يجب أن تكون الأهداف مفيدة ومترابطة ومنسجمة فيما بينها.
2. يجب أن تكون الأهداف معقولة وموضوعيّة ، وترتبط بتحقيق إنجاز ٍ معين ، كما يجب أن تتطلب طاقة قريبة من قدراتنا وما       يتوفر لنا من وقت ومصادر ومهارات ...
3. أن نضع أهدافاً معقولةً لا يعني أن نضع لأنفسنا أهدافاً صغيرةً ، بل إنّ أهدافنا يجب أن تكون طموحةً تدفعنا للتطوّر والتحسّن      والتحدّي والمغامرة ، وتحرّك فينا روح المبادرة ، ولو كانت تتطلب جهداً متميزاً ...
4. أن نضع أهدافاً نستطيع تحقيقها دون انتظار أحد ٍ أو شيء ٍ ولا نعلّق كلّ حياتنا على حظٍ طيّب أو مصادفةٍ جميلة تأتينا من        عالم الغيب ، ولا على إرثٍ أو سمعةٍ عائلية ... يقول الحديث الشريف: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه". رواه مسلم
    ويقول الإمام علي رضي الله عنه: "إنّ نصيبك من الدنيا يبحث عنك فأرح نفسك من البحث عنه".
    هذا عندما تعمل وتؤدي واجباتك وتسعى لتحقيق أهدافك ، وليس عليك حينها أن تقلق ، فكل شيء سيكون على ما يرام.
5. ويجب أن تكون أهدافك متوافقة غير متعارضة ، وأن تكون أهدافك أنت لا أهداف غيرك ، فكلما كان الهدف هدفك ...        تكون أكثر التزاماً بتحقيقه. لابأس من الاستماع لنصائح الآخرين ، لكنّ جزءاً كبيراً من أهدافك وخططك يجب أن يكون من     صنعك أنت.
عليّ أن أسعى وليس عليّ إدراك النجاح
يقول الشاعر:
شرفُ الوثبة أن تُرضي العُلا                غُلِبَ الواثبُ أَم لمَ يُغلَبِ
وتقول تعاليم جيتا الهندوسيّة:
"تطلّع إلى الإحساس بالواجب ، واعمل دون اكتراث بالنتائج ، ولا تدع الثمار تؤثر على حسن سير العمل".
- عندما تضع أهدافاً كبيرة ... كن مستعداً لتقبّل الأسوأ - الفشل الكامل ، فهذا الاستعداد يحمينا من آثار خيبة الأمل عندما        نفشل في تحقيق ما نريد ... لكنّ الاستعداد للفشل لا يعني توقّعه أو العمل وكأنّه واقعٌ لا محالة ...
- إنّنا ننجز أفضل عندما لا نستسلم إلى التفكير بالنتائج .. فالتركيز على السعي والجدّ وتجاهل الخوف من الفشل ، ثم بذل وسعنا     للنجاح هو ما يحقق النجاح ...
- ولا بدّ لنا عندما نضع أهدافاً ونسعى لتحقيق التوازن في حياتنا أن نفكر بطريقة أكثر انفتاحاً ووعياً وشموليّة ... فلا نضع أهدافاً    مهنيةٍ وننسى عائلتنا وأصدقاءنا وأجسامنا وصحتنا ونموَّنا العقلي والمعرفي والثقافي وعلاقاتنا الاجتماعية وحياتنا الروحية ... فما     الفائدة أن نكسب في مهنتنا ونخسر عائلتنا أو صحتنا أو قيمنا الروحية ؟!

ضرورة التخطيط لتحقيق الأهداف وكذلك المقارنة
- لكي ندرك أهمية الأهداف لا بدّ لنا من قياسها ومقارنتها لنتمكن من الحكم عليه ، ومعرفة مدى نجاحنا في تحقيقها.
   يقول توماس فوللر: "لا شيء جيد أو سيء إلاّ بعد المقارنة".
   والتخطيط صفة الإنسان الفعّال ، فهو يساعدنا في ملء الفجوة بين ما نحن عليه ، وما نريد أن نحققه في المستقبل ... "إنّك لا     تطلق النار عشوائياً ثم تسمي ما تصيبه هدفاً ... يجب تسميةُ الهدفِ أولاً ، ثم توجّه البندقية نحوه ، فإن أصابته فقد حققت         الهدف".
- والخطة الجيّدة هي أفضل وسيلةٍ توصلنا إلى أهدافنا بطريقة آمنة وناجحة  ...
- وللتخطيط أثر كبير في نجاح الفرد والمجتمع ، فالفرد الذي لا يخطط لمستقبله لا يكون له مستقبل.
- وينعدم التخطيط بانعدام صفات التفكير العلمي السليم ... يقول الدكتور مصطفى حجازي: "إنّ التخطيط باعتباره وسيلة        للسيطرة على المصير وتوجيهه وجهة ملائمة للإنسان ، يشكل تحدياً فعلياً للإنسان المتخلف لأنّه لا يمتلك أسبابه".
   فتحديد الهدف ثم المتابعة والحضور ضروري لتحقيق الهدف ، وتغيير ما نقوم به إذا رأينا أنّه لا يتوافق مع تحقيق هذه الأهداف ،    والمرونة التي تجعلنا قادرين على تغيير مواقفنا لنختار الأنسب من المواقف والأعمال ، هو ما يحقق النجاح.

أهمية وجود رسالة في حياة الإنسان

إنّ وجود رسالة في حياتنا أمر ضروري ، وعندما يسأل الإنسان نفسه ماذا أريد من هذه الحياة؟! فإنّه بذلك يعطي لحياته معنىً وغايةً وقيمةً بهذا السؤال ، وهي التي تميز الإنسان المثابر الذي يحقق إنجازات عظيمة عن غيره من الذين لا يتحركون. أن تكون لدينا رسالة يعني أن نعرف اتجاهنا ، وأن تكون لدينا رؤيةٌ وإحساسٌ واضحين بغاية وجودنا ومستقبلنا ، لأنها توحِّد معتقداتنا وقيمنا وأعمالنا.
إنّ أهمية وجود رسالة في الحياة لا يساعدنا فقط على تحقيق ما نحلم به ، بل يفتح لنا أبواباً وآفاقاً جديدة لم نكن نتوقعها أو نأملها يوم وضعنا رسالتنا وحددنا أهدافنا.

أسباب الفشل في حياة الإنسان
إنّ معظم الفشل في حياتنا سببه عدم معرفتنا الواضحة لأهدافنا ، أو لأنّنا نضع أهدافاً غير معقولة ، أو نضع أهدافاً دون خطة صحيحة للوصول إليها ، أو نضع أهدافاً ونضع الخطط الصحيحة للوصول إليها ، ولكننا نفشل في التنفيذ... لأنّنا لم نؤهل أنفسنا لذلك ... وإذا فشلنا في تحديد أهدافنا أو رسم خططنا نكون قد خططنا لفشلنا ولا حاجة بعدها للقيام بأي عمل.

المزية السابعة: فهم آليات التفاوض

في العمل كما في الحياة .. إنّك لا تحصل على ما تستحق ... بل ما تنجح في التفاوض عليه.

تعريف التفاوض وحاجتنا إليه في المجتمع:
التفاوض هو اتخاذ قرار مشترك ، واتخاذ قرار مشترك هو تفاوض مع النفس.
والناس كلّهم مفاوضون ، فالتفاوض هو لعبة الحياة ، نمارسها جميعاً شئنا أم أَبَيْنا ، ونصرف فيها وقتاً لا بأس به من حياتنا ، فنحن نتفاوض كلّ يوم ، في المكتب ومع الزوجة والأطفال ، في العمل وفي السوق ، مع رؤسائنا ومرؤوسينا ، في مختلف علاقاتنا الاجتماعية وتعاملاتنا اليومية.

العوامل المؤثرة في نتيجة التفاوض:
1-نتيجة التفاوض تتأثر عادة بنوع اللاعبين وتركيبة المشكلة والاستراتيجية المتّبعة من كلّ طرف وسير العملية.
2-ثقافة كلّ شعب تؤثر على طريقة تفاوض أفراده فيما بينهم وتفاوضهم مع الآخرين.
3-وللتعلّم أثرٌ كبيرٌ في سير عملية التفاوض ، حيث تسود طرقٌ مختلفة للتفاوض ، تختلف بين مجتمع وآخر باختلاف درجة تحضره ورفعة أخلاقه وقدرة الناس فيه على التعاون فيما بينهم ..
4-إنّ النتيجة الأفضل من أية عملية تفاوض هي عندما تفكّر بمصلحتك ومصلحة الآخر ، ويفكّر الآخر بنفس الطريقة.

النجاح في التفاوض:
إنّ التفاوض هو حلّ المعضلة ، وقد تخرج العواطف عن السيطرة بسبب سوء التواصل أو الغضب أو الإثارة...
والنجاح في التفاوض يحتاج إلى ذكاء عاطفي متميز ، لا سيّما عند التعامل مع أناس صِعَاب المراس تعوَّدوا أن يجعلوا عملية التفاوض أزمة حقيقية ، هنا يحتاج المتفاوض إلى مزيد من الحكمة لتخفيض شدة الغضب وهيجان العواطف لتحاشي الوقوع في أخطاء أكبر وأخطر ، وإلى إدارة رشيدة تتضمن براعة في استخدام المشاعر الملائمة للمواقف وبراعة في استخدام وسائل الخطاب ، وبراعة في التركيز على المصالح والأهداف المشتركة ، وتخمين الخسائر التي سيتكبدها كلا الطرفين إذا لم تنجح عملية التفاوض.

العناصر الهامة في المفاوضات:
هناك دائماً ثلاثة عناصر هامة: القوّة والمعلومات والوقت.
ومصادر القوّة في عملية التفاوض عديدة:
1- ولكن أهمها وجود بديل لنجاح عملية التفاوض ، وهو أفضل بديل متوفر للتفاوض في حال فشل التفاوض. فوجود البدائل لنجاح عملية التفاوض تمنحنا قوّة وثقة كبيرتين في التفاوض ، وإذا كان أفضلها جيداً ، فإنّنا لا نعود نبالي كثيراً إذا فشلت المفاوضة.
2- وجمع معلومات عن الطرف الآخر لا تقلّ أهميّة عن جمعها عن نفسك.
3- والوقت أداة هامة في نجاح التفاوض ، ففي حين يكون عاملاً مساعداً أو ثانوياً في الحالات التي تغلب عليها سمة التعاون ، تزداد أهميته ليصبح سلاحاً فعّالاً في مفاوضاتٍ تتسم بالتنافس والصراع.
4- وقدرة المفاوض وخصمه على الإبداع وإيجاد حلول خلاّقة تؤثر إلى حد كبير على النتيجة.

والمفاوض الفعّال:
- عندما يفاوض الإنسان الفعّال ، فإنه يكون حازماً في المبادئ والحقوق ولطيفاً مع الناس ، فلا يستخدم الحيل والخدع ، بل يسعى للحصول على ما يريده ويستحقه دون الإساءة إليهم ، فلا يتجاهل مشاعرهم واهتماماتهم وقيمهم وحاجاتهم الأساسيّة ، ولا يختزل الحاجات والمصالح في قضية واحدة كالمال والمكاسب الماديّة.
- ومن أهم أسباب فشل حالات التفاوض ونتائجها غير السارّة هو الحكم المسبق على الآخرين ، والظنّ أنّ هناك حلاً وحيداً ، وتجاهل خياراتٍ أخرى أفضل.

تمرّ كل حالة تفاوض بأربعة مراحل رئيسية هي:
1-           جمع المعلومات: إنّ نوع المعلومات المطلوبة وتفصيلاتها ودقتّها يختلف من حالة تفاوض إلى أخرى ، والمفاوض الناجح يهتمّ بكلّ التفاصيل ، ويحاول معرفة ما يسعى الطرف الآخر لتحقيقه ، ويجب أن يكون هناك تحليل جيد للمعلومات قبل البدء في عملية التفاوض.
2-           التخطيط للتفاوض هو ما يقرّر نجاحنا أو فشلنا ، وكلما كانت عملية التفاوض هامة ، وجب أن نصرف مزيداً من الوقت في التخطيط لها ، فحسن التخطيط هو الذي يقرّر نجاحنا.
    - تحديد الهدف
    - تحديد حدود التفاوض
    - البحث عن البدائل لفشل عملية التفاوض.
إنّ من المهم تحديد هذه الحدود قبل البدء بالتفاوض.
3- المرحلة الثالثة هي المفاصلة إلى أن يتم التوصل إلى حلّ وسط يرضي الطرفين ، وهو ما نسميّه حصيلة عملية التفاوض.
4- وفي المرحلة النهائية يتمّ تلخيص ما تمّ الاتفاق عليه ، وقد يتوجب كتابته وتوقيعه.

وعادةً ما يواجه الناس مشاكل عند التنفيذ:
ومن هنا تبدو ضرورة المحافظة على العلاقة الجيدة "والاتفاق الجيد يجب أن يفتح مجالاً أمام الطرفين لإعادة فتح الحوار عند حصول مشكلة في التنفيذ."

خمس طرق (استراتيجيات) رئيسة للتفاوض:
1-تجنب المفاوضة وتحاشيها أو الانسحاب منها.
2-الاحتواء: والتنازل حيث يقوم أحد الأطراف بإرضاء الطرف الآخر.
3-التنافس: أنا أربح وأنت تخسر وفيها يصرّ كلّ طرف على موقفه ، ويسعى لكسب كلّ شيء على حساب الآخر.
4-التعاون: حيث يسعى الطرفان إلى التفاهم لزيادة مكاسب كل منهما وتعزيز العلاقة بينهما وتسمى أيضاً win-win .. وهي أرقى طرق التفاوض.
5-التكيّف أو التوافق: ويحصل فيها تنازل كلّ من الطرفين عن بعض المكاسب لصالح الآخر.

وهناك حالات أخرى: كالربح بأي ثمن – واستراتيجية الخسارة المشتركة ل عليّ وعلى (أعدائي).

كيف ومتى نختار الاستراتيجية الأكثر ملائمة؟
تكمن فعاليّة الإنسان الراشد في ديناميكيته ومرونته ، وفي قدرته على السيطرة والتخلص من سجن استراتيجيته المسيطرة ، واستبدالها بالاسترايتجية الأكثر ملائمة بغض النظر عمّا إذا كانت تعجبه وتتوافق مع خبراته أو لا تروق له.
فكلّ حالة تفاوض هي حالةٌ منفردةٌ ومتميزةٌ ومختلفة ، ولهذا الاختيار تأثير كبير على نجاح أو فشل عملية التفاوض ... فاختيار الاستراتيجية الخاطئة غير المناسبة للحالة سيضمن الفشل المحقق.
قبل البدء بأية مباراة تفاوض ... فكّر ملياً بهذين الأمرين.
النتيجة والعلاقة = أي ما تسعى لتحقيقه من نتائج ، وأهمية علاقتك مع الطرف الآخر. ولكن متى نختار كل حالة من تلك الحالات:


الحالة الأولى: الانسحاب
إنّ الانسحاب من التفاوض وعدم الاكتراث بالوصول إلى اتفاق يكون عندما لا تستحق نتيجة المفاوضة الوقت والجهد المبذولين للوصول إليها ، وفي نفس الوقت لا تهمّنا العلاقة مع الشخص الآخر...
فإذا كانت للعلاقة أهميّة مهما كانت بسيطة ولا تريد قطعها أو تحطيمها فعليك أن تنتقل إلى الحالة الثانية.

الحالة الثانية: التكيّف والمقاربة
أو التنازل المشترك ، ونطبّقها عندما تهمنا كلّ من النتيجة والعلاقة إلى حد ما ولكن لا بدّ من توضيح أسباب تنازلك في المرّة الأولى ، فلا يُتوقع منك التنازل في كلّ مرّة.
والقاعدة هنا هي: "ليس هناك مبرر لقبول الخسارة في حالة ما إلاّ إذا كنّا سنربح مقابلها ما يساويها أو أكثر في المستقبل."
أمّا عندما تكون النتيجة مهمة والعلاقة غير مهمة فسنختار:

الحالة الثالثة: استراتيجية التنافس
وهي أصعب حالات التفاوض ، وفيها تحرص على نتيجة جيدة من حالة التفاوض دون الاكتراث بالعلاقة المستقبلية ، وتعتمد مبدأ: أنا أربح وأنت تخسر win-lose.
هذا يختلف عن تعاملك مع جارك أو أخيك أو قريبك ، فنتيجة التفاوض هنا سيكون لها أثر على العلاقة في المستقبل ، وقد تحافظ على العلاقة القائمة أو تدمّرها ، وقد تبني علاقة جديدة تهمّك.
للنجاح في التفاوض في حالات التنافس ينصح بما يلي:
1- فاوض بصلابة.
2- انتبه إلى تفاصيل النتيجة نقطة بنقطة.
3- لا تحاصر خصمك ولو أمكنك ذلك.
4- جرّب كلّ الوسائل التي تفيدك في النجاح.
5- ابحث عن نقاط ضعف الخصم.
6- سيطرْ على التفاوض ، وحاول أن تجعل الخصم يلعب لعبتك.

الحالة الرابعة: استراتيجية التكيّف
عندما تكون العلاقة والنتيجة هامتين إلى حد ما ، ولكن إحداها ليست بتلك النتيجة مقارنة مع الأخرى نستخدم الطريقة الرابعة: استراتيجية التكيّف للوصول إلى نتيجة معقولة.
وعندما يعتبر الطرفان كلاً من النتيجة والعلاقة هامة لكليهما بنفس المستوى فلا بدّ لهما من أن يختارا الحالة الخامسة.



الحالة الخامسة: استراتيجية التعاون والتآلف
أي الجميع يكسب ، ويصونان العلاقة الجيدة ... وهي أكثر حالات التفاوض تحضراً وفائدةً ، وفيها لا يتمّ اقتسام الفوائد فحسب، بل زيادة حصة كلّ طرف دون انتقاص نصيب الطرف الآخر ...

لكن – أي هذه المباريات الخمسة أفضل للإنسان الفعال؟
إنّنا نرتكب خطأ كبيراً عندما لا تكون لدينا أدنى فكرة عن الاستراتيجية التي ننوي اتباعها مع الخصم ، فلا بدّ للمفاوض الناجح من اختيار النموذج الأنسب من بين النماذج الخمسة وأن يفكر جيداً قبل البدء بعملية التفاوض ، فلا يقع ضحية للآخرين ، ولا يضطر ليلعب اللعبة التي يستجرونه لممارستها ...

القواعد التسع للتفاوض الاستراتيجي
1- حدد حدود تفاوضك...
2- تمهل ، كرس وقتاً كافياً للتخطيط للمفاوضة قبل الدخول فيها...
3- حدد مصالحك...
4- دافع عن مصالحك وأهدافك وليس مواقفك...
5- إنّ الطرف الآخر يحمل مفتاح نجاحك في التفاوض...
6- القوة لها الأثر الأكبر في نتيجة التفاوض...
7- الاستراتيجية الخاطئة تضمن الفشل...
8- لا تتنافس...
9- الثقة من السهل تحطيمها ، ولكن يصعب بناؤها.

كما يجب وضع حد أدنى مسبق للنتيجة المطلوبة من التفاوض قبل الدخول في عملية التفاوض ، وهذا يحفظنا من اتخاذ قرارات ارتجالية نندم عليها أو نقبل بحلول خاسرة لا ترضينا ...
والقاعدة هنا : هي أننا يجب ألا نقبل بنتيجة التفاوض يكون البديل المتوفر لنا أفضل منها.
فالغاية من أيّ تفاوض هي الحصول على نتيجة أفضل من تلك التي يمكن أن نحصل عليها دون تفاوض ... بل إنّ من غير الحكمة التفاوض على أمر يتوفر لنا خيرٌ منه.

أخلاقية التفاوض
الأمر المهم الذي يجب أن ننبّه إليه وتتحاشى ذكره معظم كتب تعليم التفاوض – إن لم نقل جميعها – هو الأخلاقية والحق والعدل، فليست القضية أن تفاوض لتأخذ حقّك وما ليس حقّك ... لأنه عندما يكون هناك منتصر ومهزوم ، فإنّ كلاً منهما سيخسر على المدى البعيد ، وسيبحث المنهزم عن وسيلة لينتقم ممّن ظَلَمَهُ.
والحديث الشريف يقول: "إنّما أنا بشر ... وإنّكم تختصمون إلي ... ولعلّ بعضكم أن يكون ألحنَ بحجته من بعض ، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنّما أقتطع له قطعةً من نار." أخرجه البخاري ومسلم.
إنّ استرايتجية التفاوض القائمة على الأخلاق والعدالة وعدم ظلم الآخرين أو قبول ظلمهم ، هي أرقى أنواع التفاوض ، وتكون مجدية وفعالة عندما نتعلمها ويتعلمها الآخر ، فتغدو حالة التفاوض أسهل للجميع.
ولكن ليس من الحكمة البحث عن العدالة واللين مع الآخرين عندما لا يقدرون ذلك ولا يعرفون إلا أسلوب الصراع والمنافسة.
والنتيجة الأكثر حكمة: في حالة التفاوض هي أن تحصل على أقصى ما يمكن من المكاسب لنفسك وأقل الخسائر للطرف الآخر .. فكل استراتيجية في التفاوض يحكم عليها بثلاثة معايير:
1-            الفعاليّة.
2-            الوصول إلى نتائج جيدة.
3-            وأن تعزز العلاقة ولا تحطمها.

في هذه الاستراتيجية لا بد من اعتبار القواعد التالية:
  • افصلْ الناس عن المشكلة...
  • ركّزْ على المصالح وليس المواقف...
  • حاولْ البحث عن البدائل - الخيارات - قبل أن تقرر ما تنوي فعله.
  • احرصْ على أن يكون لديك مقياس - معيار للنجاح والفشل -.

يتميز المفاوض الناجح بأنّه يحقق في النهاية ما يريد ... ولتحقيق ذلك نقترح الآليات التالية:
1. اطلب أكثر مما تتوقع تحقيقه وتسعى للحصول عليه ...
2. لا توافق على العرض الأول...
3. العب دور البائع أو الشاري المتردد...
4. إنّ أهم سلاح يحمله المتفاوض هو أن يكون لديه حدّ لا يوافق بعده على إجراء اتفاق مع الطرف الآخر ، ويكون عندئذ           مستعداً للانسحاب من التوافق.

في الختام: لا بد من الإشارة إلى أمرين:
الأول: هو أنّ السرّ في أن تكون مفاوضاً ناجحاً يكمن في أن تطور آليات تفاوضك بنفسك بدلاً من تقليد آليات الآخرين واتباع أساليبهم ...
والثاني: هو أنّ النصائح التي أوردتها عن التفاوض في هذا الفصل ليست كلّها أخلاقيّة لأدعو القارئ لتنفيذها وممارستها ، ولكنّ علمه بها جميعاً يفيده إذا ما استخدمها الآخرون معه ...
فالإنسان الفعّال: يتعلّم الخير ليفعله ، ويعرف الشر ليتجنبه ويتقيه!

المزية الثامنة: التفكير الاستراتيجي واتخاذ القرار
" هبّي أيتها العواصف التي نتوقعها".
لا بدّ لي من الاعتراف أنّه على الرغم من قناعتي أنّ فهم آليات التفكير الاستراتيجي واتخاذ القرار من المزايا الهامّة للإنسان الفعّال ، إلاّ أنني أعلم أنّ قراءة هذا الفصل لا تكفي لفهم موضوع معقد يصعب شرحه ، ولا لاكتساب مهارات التخطيط الاستراتيجي ، ولكنني أرى أنّه قد يفتح شهية القارئ المهتمّ ويحفزّه ليعود إلى مراجع أخرى لمزيد من التفصيل.
إنّ التفكير الاستراتيجي يتضمن وضع خطة لما يجب علينا القيام به ، وهو تنظيم أفكارنا وسلوكنا بطريقة سليمة للوصول إلى الهدف المنشود ، وهو يسبق الإدارة بل هو الذي يحدد طريقة الإدارة المناسبة.
فالإدارة هي التصرف السليم بالمصادر المحدودة ، والإدارة الحكيمة تستطيع أن تستخدم مجموع الطاقات المتوفرة ، وتملك فعاليات إدارية وهي: التخطيط والتنظيم والتنسيق والتحكم والتقييم.
أمّا التخطيط الاستراتيجي فهو أشمل من الإدارة ، لأنه يأخذ بعين الاعتبار كافة العوامل الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ، والواقع الراهن والتوقعات المستقبلية.
والاستراتيجية  هي مجموعةٌ من الخطط قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل لدعم تحقيق السياسات.
فالسياسة هي الهدف ، والاستراتيجية هي القطار الذي يوصلنا إلى الهدف.
والحقيقة هي أن الإنسان بطبيعته استراتيجي في تفكيره ، في شؤون بيته وعمله وحياته العامة والخاصة ، ولكن البعض يستخدم استراتيجيات جيدة ومناسبة ، والبعض يستخدم استراتيجيات سيئة وفاشلة وغير فعّالة ... فليس من المهم أن نخطط ونضع استراتيجيات فحسب ، فالجميع يقوم بذلك بل أن نختار الاستراتيجية الصحيحة الملائمة.
فمتى تكون الاستراتيجية جيدة ومناسبة؟

            دورة التخطيط الاستراتيجي

       أين نحن الآن؟                                          كيف نضمن الوصول إلى الأهداف؟
    (تحليل الوضع الراهن)                                         (المشاريع التنفيذية)
    
  
   
 



      أين نريد أن نكون؟                                   ما هي مكونات نجاح هذه الاستراتيجية؟
         (السياسية)                                                      (الخطط)
    
  
   
 



 ماهي مجموعة الطرق                              ماهي أفضل هذه الخيارات
التي تنقلنا من (1) إلى (2)؟                                      ولماذا؟
     (تحديد الخيارات)                                                  (الاستراتيجية)


- الاستراتيجيّة الجيدة هي التي تكون معقولة وطموحة وتستحقّ جهودنا ، وتكون مناسبة عندما نملك وسائل تنفيذها ،        والأهم هي التي توصلنا إلى أهدافنا بأقل خسائر.
- إنّ معرفة الهدف الصحيح وتوّفر النيّة الصادقة لا تكفيان وحدهما لتحقيق هذا الهدف .. كما أنّ التزام قواعد جرّبها غيرنا     ونجحوا بها لا يعني أنّها ستنجح معنا ، ولا بدّ من وضع النموذج الذي يتناسب مع قدراتنا وظروفنا وبيئتنا.

مثالان: اختلف تطبيقهما ونتائجهما لاختلاف الاستراتيجية بين الدول المتقدمة والدول النامية.
1- الملوِّث يدفع.
2- إدارة الطلب على المياه.

أسباب فشل استراتيجية أمتنا العربية المسلمة:
يمكن أن نعتبر أنفسنا أسرع من كلّ الأمم في كلّ شيء ، فلماذا لا نسبق هذه الأمم في كلّ شيء؟ ومالسبب وراء كلّ هذه الخيبة المزمنة التي نعيشها؟!
السبب هو أنّنا لا ندرك الأمور التالية:
1- أنّ الإنسان الذي يفهم التفكير الاستراتيجي لا يُصاب بالغرور من حجم العمل الذي يقوم به ، ويولي اهتمامه للأعمال       النوعيّة المجديّة التي يكرّسها بعد الوعي والتخطيط والجهود الدؤوبة.
2- أنّ وجود الاستراتيجية هي ما يميز الفعاليّن من القواليّن: "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتاً عند الله أن       تقولوا ما لا تفعلون". الصف
     وهي التي تميّز العاملين المجدين من النائمين المستغرقين في أحلام اليقظة.
3- أنّ الفرق كبيرٌ بين الحلم والهدف.. الحلم مجرد أمل ، أما الهدف فهو منطقي ومعقول وممكن...
     وإذا أردنا تحقيق التغيير والنجاح فلا بد أن نتحول من حياة العشوائية والترقيع في حياتنا إلى حياة التخطيط ووضع            الاستراتيجيات.

كيف نحقق استراتيجية ناجحة:
1. ألاّ نكثر من القرارات لأنّ كثرة القرارات تعرقل الأمور.
    يقول مالك بن نبي: "إنّ صاروخاً رُكّب من أجل الوصول إلى القمر لا يصل إليه إذا رُكّبت فيه صواريخ أخرى موجّهة      إلى المريخ وزحل".
2. تنويع الخطط بدل اتباع خطة واحدة.
3. أن نقسّم استراتيجيتنا إلى خطط صغيرة تجعل الوصول إلى الهدف ممكناً.
4. الإنسان الفعّال يعرف كيف يكون واقعياً في تفاؤله ، ومع كلّ أمله أنّ كلّ شيء يمكن تحقيقه بالصبر والجد والعمل          والتخطيط المناسب. يقول الحديث الشريف: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ" البخاري.

استراتيجية المجتمعات:
إنّ ما ينطبق على تحقيق الأهداف الفرديّة ينطبق على تطوّر المجتمعات فكثيراً ما يكون النجاح الحقيقي محصلةً لعملية كدح متواصل ، وليس حظاً أو وراثةً أو ظروفاً أو بطولةً أو محاولة القيام بالمستحيل.
إنّ الخطوة الأولى هي الأصعب ، ولكن السير عدة خطوات في البداية يجعل من الصعب علينا الانسحاب من الطريق بعد أن استثمرنا فيه جهداً ووقتاً ومالاً ، ورحلة الألف ميل تبدأ دائماً بخطوة.

القواعد العامة في التخطيط الاستراتيجي

القاعدة الأولى: انظر قبل أن تقفز
فالإنسان الفعّال يمنح نفسه وقتاً كافياً للتفكير وتحليل الأمور .. قبل أن يقع المقدور ويندم.

القاعدة الثانية: انظر إلى الأمام ثم عد إلى الواقع
هذا ما يقوم به لاعبو الشطرنج ، فليس المهم هو كسب جولة أو جولتين بل النتيجة النهائية ، والمثل يقول: "من يضحك أخيراً يضحك كثيراً".

القاعدة الثالثة: إذا كان لا بدّ من المجازفة فلنجازف في المراحل الأولى
فإذا تركنا المجازفة حتى الجولة الكبيرة أو الأخيرة التي تقرر النتيجة النهائية ، فإنّ المجازفة هنا تكون حرجة وخطيرة ، والخسارة بعدها لا تعوّض.

القاعدة الرابعة: إذا كانت لديك استراتيجية مسيطرة قائمة على المبدأ استخدمها ...
فالاستراتيجية التي تستند إلى المبدأ والعقيدة والثوابت الدينيّة أو الأخلاقية أو الوطنية لها قوة كبيرة وتأثير حاسم في النجاح ، ولا يجوز التزحزح عنها ، بغض النظر عن موقف الخصم واستراتيجيته ، فلا تكترث بما ينويه أو يخطط له أو يفكر فيه ...

كيف نحصل على التعاون من قبل الطرف الآخر

1- مبدأ الترغيب والترهيب ... العصا والجزرة ...
وهذا أوضح في علاقات الدول ، وقد بدا ذلك واضحاً في معارك دبلوماسية عديدة ضغطت فيها الولايات المتحدة على دول كثيرة بالتهديد والوعيد أو الترغيب بالمساعدات الاقتصادية والمعونات المالية لتحصل على دعمها لها.
2- المفكر الاستراتيجي يضع نصب عينيه على الجولة الأخيرة من اللعبة حيث لا مستقبل للعلاقة.
      فإذا شعرت أنّ الطرف الآخر سيحققق هدفه منك ثم يختفي فاختف ِ أنت قبله ، أو لوِّحْ بمكاسب جديدة.
4-من الأفضل أن تكون العلاقة واضحة منذ البداية:
     وأن تكون العقوبة جاهزة للقصاص من المخادع ، وألاّ تتساوى العقوبة مع أرباح الغش والخداع التي سيجنيها المخادع ،      بل أكثر بكثير ، وعندما لا تتناسب العقوبة مع الخطأ المرتكب فإن ذلك يشجع الناس على ارتكاب الغش والخطأ.
     5- أن تكون لديك خطة بديلة.
6- عندما تحاصر خصمك اترك له مخرجاً:
    ومن المفيد أن تعرف هذا المخرج وتحددّه وتدلّه عليه.
6-لا تستخدم كلّ أوراقك:
    إن ما يجب أن نتعلمه هنا: أنه ليست هناك قاعدة صحيحة دائماً نطبقها على كل حالاتنا ، فالقواعد               للبسطاء يتبعونها بحرفيتها في كلّ الظروف ، وللحكماء للاستئناس بها متى يستخدمون هذه ، ومتى يطبقون تلك.
7- لا تعدْ بما لا تستطيع أو بما لا ترغب أو لا تنوي أن تقوم به ، أو بما ليس واجباً عليك ...
8- ومن الحكمة ألاّ تهدد بأكثر ممّا ستنفذه.

فالسمعة والمصداقية تنهاران بالوعود والتهديدات التي لا تنفذ سواءً كانت صغيرةً أم كبيرة.
فعادة ما يحرص الناس على الحذر والحرص في التعامل مع من يُشتهر بأنّه يقول ما يفعل ، وينفذ تهديداته بحذافيرها مهما كانت النتائج ، خلافاً لطريقة تعاملهم مع شخص عُرف أنّه يتبجح بغير ما يُنفِّذ.

حافة الهاوية:
وهي استراتيجيّة تتلخص في استدارج الخصم إلى حدود وقوع الكارثة ، (قصة الصواريخ في كوبا بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي).
ولإقناع الخصم أنّك جادّ فيما تقول: هناك عدة وسائل:
كأن تسلّم الأمر لآخرين ، أو بأن تقطع الاتصالات مع الخصم ، أو بتحطيم الجسور خلفك ، وإلغاء كلّ الاحتمالات الأخرى.

استراتيجية (إن تكونوا تألمون فإنّهم يألمون) النساء
وهذا ما يفعله الأبطال الاستشهاديون الذين يدافعون عن وطنهم وأهلهم في فلسطين ، فَأَرْهبُوا بعملهم كلَّ الصهاينة ، وألَقْوا الرعب في قلوبهم بعد أن أثبتوا عملياً أنّهم بشر خطرون عند اللزوم لا يكترثون لشيء مهما كان الثمن الذي يدفعونه من حياتهم واقتصادهم ، وإن هُدِمت بيوتهم وشُردت عائلاتهم ... فهذه الاستراتيجية تتطلب الاستعداد لدفع ثمن كبير مقابل إيذاء العدو لدرجة لا يستطيع احتمالها.

كيف نجعل الطرف الآخر يستثمر ويلتزم:
القاعدة تقول: "إذا كانت هناك علاقة تهمّك مع شخص آخر ، فيجب أن تقحمه فيها وتجعله يبدأ بالاستثمار من طرفه - وقته أو جهده أو ماله - والوسيلة إلى ذلك هي أن تبدأ العلاقة بالتعاون واللين وكأنك متلهّف للمساعدة والوصول إلى حلّ مشترك يرضي الجميع ... وما إن يتورط الآخر ويستثمر الكثير من وقته وجهده بحيث يصعب عليه العودة إلى حالة الصفر دون مرارة ، عندها يسهل عليك الحصول منه على ما تريد من تنازلات ... أما إذا لم يكرّس شيئاً من وقت أو جهد وطلبت منه منذ البداية أن يقدّم تنازلات ، فعلى الأغلب أنه سيفضّل الانسحاب ، مفترضاً أنه لم يلتق ِ بك أو يعرفك.

مبادئ اتخاذ القرار:
يلزمنا فهم آليات اتخاذ القرار والتدرُّب عليها لتصبح جزءاً من أسلوب حياتنا وسلوكنا ... فتعلّم طرق اتخاذ القرارات الهامة يلزمُهُ مدرّب.
وبشكل عام فإنّ هناك أربع خطوات لإتخاذ قرار سليم:
1-تحديد الموضوع الذي نريد أن نتخذ قراراً بشأنه.
2-جمع المعلومات وعدم الاكتفاء بالجاهز منها.
3-الاستنتاج بطريقة منتظمة لا عشوائية.
4-الاستفادة من تجارب الآخرين وملاحظاتهم ، وتجاربنا السابقة في حالات مشابهة.
5-يحدّد الكاتبان إدوارد روسو وباول شوماخر الأفخاخ والأخطاء الأكثر شيوعاً التي يقع فيها معظم الناس عند اتخاذ القرار بالأسباب التالية:
1-                       التسرع في اتخاذ القرار.
2-                       قصر النظر في معرفة الأهداف الحقيقية.
3-                       الثقة الزائدة بالنفس وبأنّ قرارنا صحيح.
4-                       الاعتماد على معلومات غير كافية.
5-                       سيطرة رأي المجموع والظنّ بأنّ مجموعةً من الناس لا بدّ أن يكونوا على صواب.

والإنسان الفعّال يوازن بين التواضع والغرور: لأنّ من يُغالي في تقدير نفسه يُفاجأ بالفشل ، ومن يفرط في الإقلال من قيمتها وقدرتها لا يحاول النجاح ، فجرعة من التفاؤل الزائد تساعد المنفذين على إنجاز عملهم ، أما المخططون فلا بدّ أن يحافظوا على واقعيتهم ، وهذا المعنى يبدو جلياً في الآية الكريمة:
"وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكّل على الله" آل عمران.
فقبْلَ اتخاذ القرار يحتاج الأمر إلى التشاور مع الآخرين وصرف بعض الوقت في التفكير والتردد والتمحيص والتحليل والبحث عن المعلومات ، ولكن ما إن يُتخذ القرار فلا بدّ من العمل بثقة وتفاؤل وعزيمة.

جوهر عملية التفكير الاستراتيجي:
إنّ تصور أنفسنا في وضع ما قبل أن نقع فيه ، والسفر بعقلنا مع الزمن ممّا نحن فيه إلى ما يمكن أن نكون عليه ، ثم العودة إلى الحاضر ووضع الخطط لتحاشي كلّ المشكلات التي يمكن أن نقع فيها ، هي جوهر عملية التفكير الاستراتيجي.


وماذا بعد أن نقع في المشكلة؟
إنّ المشاكل التي نقع فيها تتطلب منّا رفع مستوى تفكيرنا لنتمكن من معالجتها ، وهذا يتطلب الكثير من الفهم والتفكير والتحليل، ورفع هذا المتسوى يتطلب منّا أن نؤمن بأنّ لكلّ مشكلة حلاً ، وأنّ مع العسر يسرا ، وأنّ الخلاص من المشكلة يحتاج إلى الهدوء.
يقول أينشتاين: "إنّنا لا نستطيع أن نحلّ المشاكل التي خلقناها لأنفسنا في مستوى معين من التفكير بأن نبقى على ذلك المستوى".

المزية التاسعة: المواصفات الشخصية

"بدل ألوف الضربات على الأغصان ، اضرب ضربة واحدة على الجذر". ثوريو
كثيراًَ ما نعاهد أنفسنا ونحدّد أهدافاً ثم لا نقوم بعمل واحد لتحقيقها ، لماذا لا نلتزم بالعهود التي نعاهد بها أنفسنا ، ولماذا لا نتمكن من الاستمرار ، ولماذا لا ينفع وجود الحافز الكبير والمصلحة الواضحة؟!!
"إنّ تكرار أخطائنا وفشلنا يدّل على أننا اكتسبنا عاداتٍ ثابتة نستمر بممارستها على الرغم من علمنا بآثارها السيئة ، ويعود ذلك إلى ضعف شخصيتنا وتاريخ حياتنا وقلة تقديرنا لذواتنا ...
فنحن لم نضع رصيداً كافياً من المواقف والأعمال الناجحة في حساب احترامنا لأنفسنا يساعدنا على تغيير أنفسنا والالتزام بتنفيذ ما اقتنعنا به من قرارات ورعاية ما أقسمنا عليه من عهود.

كيف نزيد رصيد ثقتنا بأنفسنا واحترامنا لذواتنا:
1- التبجح والمظاهر الخارجية من لباس ومشي والاحتماء بالمنصب أشكال من الثقة الجوفاء ، تسقط أمام أول تجربة قاسية نمرُّ بها           أو تمرُّ بنا ،
2- شخصية الإنسان مرآة لما تكدّس فيها من علمه وعمله ، ومعرفته وتجاربه ، وأفكاره ومواقفه ، والمهارات التي تعلَّمها وأتقنَها ،      وعليها يعتمدُ في تجاربه وقراراته وعهوده ومواقفه القادمة.
3- جوهر الإنسان يشعُّ من داخله ليعبّرَ عن حقيقته دون إرادته ، ومهما حاول خداع الناس فإنّه لن يستطيع أن يخدعهم كلّ          الوقت ، ولن يستطيع أن يقنع نفسه بأنه على غير حقيقته ، وهذا هو الأهم.
4- ومع نمو ثقتنا بأنفسنا ... تنمو ثقة الآخرين بنا وتزداد مصداقيتها ، فإنّ لطفنا وشرفنا ووفاءنا بوعودنا وإتقاننا للعمل الموكل إلينا يزيد من رصيد ثقة الآخرين بنا.
 5- يقول جيمس كورنسي: "المصداقيّة من أصعب الصفات اكتساباً ، لكنّها إذا لم يُعْتَنَ بها تُفْقَدُ في فترةٍ قصيرةٍ جداً وربما في          تجربةٍ واحدةٍ".

كيف تتحول من إنسان كئيب فاشل باهت مزيف ... إلى إنسان أصيل ساطع متوهج ...
1- مدح الله المؤمنين لأنهم: "لأماناتهم وعهدهم راعون" المعارج
2- وأمرهم أن يوفوا بعهودهم "وأفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً" الإسراء
     ليس لأنّ الوفاء بالعهد خلقٌ صالحٌ فحسب ، بل لأنّ ذلك يزيد شخصيتهم رقياً وذواتهم احتراماً كما حثّهم أن ينفذوا ما          يتولون ويتعهدون ويَعِدُون: "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". الصف
3- وذمّ الذين ينقضون العهد "الذين ينقضون العهد من بعد ميثاقه" البقرة.
والطريقة الوحيدة لتكتسب هذه الميزات وتكون ناجحاً مع الناس وتكتسب ثقتهم هي أن تغيّر نفسك من الداخل ، لكي يقتنع الناس أنّك ذو شخصية قوية لا بدّ أن تكون شخصيتك قوية ، عليك أن تكون صادقاً مع نفسك ومع الآخرين وترفض التظاهر والمجاملات.

كيف يتم التغيير الحقيقي:
يقول غاندي: "الرجل الحقيقي لا تُجيزُ له طبيعتُهُ أن يعمل في السرّ ما لايجرؤ على القيام به في العلن."
إنّ مفتاح تأثيرنا في الآخرين هو أن نكون مثالاً جيداً لهم ، واحترامنا لهم دليل على ظننا الحسن بأنفسنا ، لأنّنا نعتقد أنّهم محترمون مثلنا.
إنّ عملية بناء الشخصية واحترامها وزيادة كرامتها وقوتها بحاجة إلى زمن وجهد والتزام ، ولا يمكن استعجالها أو اختصارها ، فهي كالزراعة ... ، في كتاب الشخصية العربية بيّن السيد ياسين: "أنّ هناك ميزات للشخصية العربية ... كالانفعالية والاعتباطية والشعور بالعجز وقلّة الفعاليّة الممتزجة بشيء من الغرور منتشرة في مجتمعاتنا".
فكيف نتخلص منها؟!
1-     أن نكون صادقين في ضرورة تحسين بعض جوانب حياتنا باستمرار دون أن نظنّ أنّنا سنصل إلى الكمال ، لأنّ الكمال ليست صفة إنسانية.
2-       إذا وقعنا في الخطأ والفشل علينا أن نبحث بصدق ٍ عن أسباب فشلنا لننجحَ في المرات القادمة.
3-     علينا أن نعترف بجوانب ضعفنا ، ففي ذلك تحقيق لإنسانيتنا ، إنسانية النفس التي يقسم بها الله عز وجل تماماً كما يقسم بيوم القيامة "لا أقسم بيوم القيامة ، ولا أقسم بالنفس اللوامة". القيامة
     كلاهما عند الله تعالى حدثان عظيمان يستحقان أن يقسم بهما.
4-       إنّ أؤلئك الذين يريدون حمل راية التغيير هم دائماً عظماء وأنبياء ومفكرون ، وهم عادةً يدفعون               
        ثمناً غالياً من حياتهم ووقتهم ومالهم ، لأنّهم يعرفون أنّ الرسالة عظيمة وأنّ النتائج عظيمة.
5-       من الأفضل تعليم الصغار عاداتٍ حسنةٍ تفيدهم لحياة ناجحة.
6-     إنّ تغيير المواقف والعادات والسلوك ليس أمراً سهلاً ، إنّه يحتاج إلى وقتٍ وجهودٍ كبيرة واقتناعٍ أنّ ما تعلمناه ليس دائماً الأنسب.

تحليل عادة هامة بشيء من التفصيل: عادة الاستماع للآخرين
لمزية الاستماع أثرٌ كبيرٌ في النجاح وحياة الفعاليّة ، ولكنّ ميزة الاستماع الجيد ليست شائعة ، وإذا كنت تعتقد أنّك مستمع جيد ، فاعلم أنّ معظم الناس يظنّون ذلك ، ولكنّ الذين يمتلكون هذه المزية نادرون.
1- إنّ من عقبات الإصغاء أنّنا نفكر بسرعة أكثر مما نتحدث ... وعندما نستمع للآخرين تتحول أفكارنا إلى أشياء أخرى       وننسى الموضوع.
2- محاولة التظاهر بالاستماع ، وتكرار بعض الكلمات التي يذكرها المتحدث لنوحي إليه أنّنا نفهم ما يقول ... ليس             استماعاً فعّالاً ...
3- الإنسان الفعّال لا يستمع للكلمات والحروف الصوتية فحسب ، بل يستمع للمشاعر والمعاني بأذنيْه وعينيْه وعقله وقلبه ،      وهو يحلّل ويركّب ما قيل وما لم يُقل ، ثم يجيب محدّثه أو يسأله ويستوضح منه ما لم يفهمه.
4- الاستماع الفعّال هو الإنصات فهو يتضمن استخدام الأذن والعقل معاً ، وقد أمر الله المؤمنين عند قراءة القرآن أن             يستمعوا له وينصتوا ليتمكنوا من فهم ما يُتلى عليهم "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون". الأعراف
     ووصف المشركين بأنهم لا يحاولون فهم ما يستمعون إليه ولا يفتحون قلوبهم لمحاولة فهمه "لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم      أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أؤلئك هم الغافلون". الأعراف
     فالاستماع يتكون من السمع الذي يُضاف إليه التفسير والتقييم والاستجابة.
5- الجزء الأهم في الاستماع هو الفهم والعقل والقدرة على ربط الكلام وتحليله بسرعة فائقة ، وتوقع ما يمكن أن يقال بعده.
6- الاستماع الفعّال ذو مردود عالٍ لوقتك ، لأنّه الطريقة الوحيدة للفهم الصحيح ، وذو أهمية لنجاحك وتحاشيك إخفاقات     ومصائب ممكنة.

هل يحتاج الاستماع إلى مهارات؟
نعم وإلى مهاراتٍ كثيرة أيضاً ...
1. بعض الناس يستمع لا ليفهم بل لتحضير الأسئلة والتعليقات ...
2. البعض الآخر يعدّون أنفسهم للحديث القادم ...
3. من أهم العادات السيئة أثناء الاستماع التَوْقُ إلى الكلام ومحاولة الردّ على رأي الآخر وإخماده أو تعدليه ، ويسعى الإنسان     الفعال إلى تكرار محاولة الصمت وضبط النفس عن الكلام ، فالرجل القليل الكلام نادراً ما يكون مخطئاً في حديثه لأنه        يزن كلّ كلمة يقولها.
4. ومن العادات السيئة الشائعة في الاستماع الشرود في مظهر المتحدث بدل التركيز على ما يقوله.
5. من المفيد التحضير للمقابلة والتأكد من فهم الأفكار الرئيسية وتلخيصها وكأن عليك أن تكتب تقريراً عمّا تسمعه ،          وكذلك تسجيل الملاحظات ، فإنّ أقصر قلم يتخطى أعظم ذاكرة.
6. ومزية حسن الاستماع ليست موهبة موروثة ، ولكنها تُكتسب وتُطوّر بالتدريب وتكرار المحاولة ومراقبة الذات لتصحيح      الأخطاء مرّةً بعد أخرى.
7. إنّ التسلسل المنطقي لعملية الاستماع الفعّال تقتضي منّا السماع ثمّ التفسير ثمّ الاستجابة .. ولا يجب علينا أن نغير ترتيب     هذه المعادلة ، فلا نستجيب قبل الفهم أو نفسر قبل أن نستمع لكلّ ما يُراد قوله.
7. وتصبح مزية الاستماع أكثر أهميةً عندما نستمع لأؤلئك الأذكياء والمفكرين والناجحين ، فنرفع بها مستوى حياتنا ونغيّر      واقعنا نحو الأفضل.
8. ومن سوء الحظ: أنّنا نضطر للاستماع لِمَنْ لديهم سلطةٌ أو جاهٌ أو قوة على الرغم من جهلهم وسخف ما يقولون ، كما     أنّه من المؤسف: أنّنا لا نستمع إلى العقلاء لمجرد أنّهم فقراء أو ضعفاء ، أو لأنّهم صغارٌ في السن أو قليلو الخبرة أولا           يهتمون بمظاهرهم؟!!

فوائد تطوير عادة الاستماع للآخرين:
1- إنّ تطوير عادة الاستماع الجيد توّفر علينا مشاكل كثيرة تنشأ من تجاهلنا للآخرين وعدم الإنصات إليهم أو الاهتمام بهم.
2- الحاجة للاستماع للآخرين وفهمهم تزداد مع أهمية المركز الاجتماعي.
3- إنّ الاستماع الجيد يوّفر الوقت ويحمي من تكرار الجهود وتصحيح الخطأ.
4- الاستماع الجيد يساعدنا على فهم الآخر وكسبه إلى جانبنا.
5- الحكمة في أن نعرف متى نتكلم ومتى ننصت ... فهناك موسم يجب أن نُبْقي فيه فَمَنَا مغلقاً ما أمكن لننال ما نريد من       الآخرين.
6- ومع أن تعلّم مهارة الاستماع: لا يقلّ أهميّة عن تعلم القراءة ، وأن تعلم الخطابة والحديث لا يقلّ أهمية عن القدرة على      الكتابة ، فقد أُهملت هاتان المهارتان إلى حد كبير في تربيتنا ومناهج تعليمنا التي تصبّ جلّ اهتمامها على القراءة             والكتابة، فلا تساعد هذه المناهج في جعلنا مستمعين جيدين ولا متحدثين جيدين.

أثر الكلام والخطابة في الآخرين:
1. عليك أن تحرص على أن يفهمك الآخرون ، وتصل رسالتك إلى أسماعهم.
2. إنّ المهم في الخطابة والكلام ليس فقط ما نقول ، بل الطريقة التي نتحدث بها ، والكلمات التي نختارها ، ونغمة نطقها ،      وأسلوب الحديث.
3. وكلما كان الإنسان أكثر تحضراً وتعلماً وفهماً وذكاءً كلّما كان من الأسهل إقناعه بالفكرة الصحيحة.
4. توصي كتب تعلّم الخطابات وإلقاء المحاضرات أن يهتمّ المتحدث ب :
   - تعبيرات وجهه
   - طريقة وقوفه
   - نَقِّلْ نظرك بين مستمعيك
   - تحدَّثْ بحماسة
   - غيِّرْ نبرة الصوت
   - اخلق جواً من الصداقة مع المستمعين


الإنسان الفعاّل قارئ جيد:
لا يسعى الإنسان الفعّال إلى تكديس المعلومات والحفظ ، وإنّما الفهم والبحث عن الأفكار.
وكما أنّه من الحكمة أن نختار الكتب التي نقرأها فتفيدنا ، فمن الحكمة أن نختار أؤلئك الحكماء المشجعين والمعلمين الذين نستفيد من حكمتهم.

الإنسان الفعّال في القرن الحادي والعشرين:
- إنّه يحتاج إلى التدريب المتواصل دون انقطاع لاكتساب وتطوير الكثير من المواصفات الشخصية والمهارات التي تفتح له       أبواب التفوق والنجاح ، وهذه المهمة لم تعد سهلة ولا بسيطة ، وعليه أن يبتعد عن نفايات الأفكار والمعلومات والأشياء     ونفايات العلاقات والنشاطات ، ويبحث في كلّ شيء عن الأهدى والأصلح والأنفع والأبقى.
- وعلى الإنسان الفعّال: أن يهتم بمظهره وسلوكه المهذّب مع الآخرين ، كي يجدَ التقدير الكافي عند المجتمع ، فهو يعلنُ عن     نفسه ولا يخفي كفاءاته ، بل يتكلم ويعبّر عن آرائه ويثير إعجاب الآخرين فيه ...
   فما الفائدة من جوهرة ثمينة مطمورة في قاع البحر أو ضمن صدفة متسخة ، مالم تُبرز وتُلمّع لتشعّ.
   وعلى الإنسان الفعّال أن يتحمس لهواية بعيداً عن عمله , فكثير من الرياضات والهوايات تعتبر عملاً إرادياً لضبط النفس      والتحكم بالميول والرغبات والانفعالات.

المزية العاشرة: التوازن

"يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً". البقرة
للوصول إلى حالةٍ جسميّةٍ وعاطفيّةٍ وروحيّةٍ وعقليّةٍ سويّةٍ ، وتحقيق إنجازاتٍ متميزةٍ في الحياة الشخصية والعامة والمهنية ...
لا بدّ للإنسان من التوازن ، والسعي للتوازن عمليةٌ مستمرّة نتعلم منها  ونعيد توازننا ، ثم نزداد تعلماً ، ونوازن أنفسنا من جديد.

لماذا نحتاج إلى التوازن:
1- تحوّلت المشكلة من القلّة إلى الإفراط ...
2- بعد التقدم الصناعي الكبير ، أصبح المفكّرون يتحدّثون عن هموم جديدة للبشرية لا تتعلق بالإنتاج وتأمين مستلزمات          الحياة المادية ، بل كيف يتعلمون تحقيق التوازن في أنفسهم وعقولهم ويلبّون نداء حاجاتهم العاطفيّة والروحيّة                  والاجتماعيّة.
3- لم تعد سعادة الإنسان تزداد بزيادة المال فقط ، بل بتأمين حاجات أخرى مختلفة أهم كالأمن والانتماء والفعالية وتحقيق       الذات.


هرم السعادة

4- إنّ السعي إلى العلم والمعرفة والحب والصداقة والإبداع وتحقيق الذات وكلّ ما يقع في أعلى الهرم ، دون الاكتراث           بتحقيق الحد الأدنى من الحاجات الأساسيّة التي تشكل قاعدة هرم السعادة ، يفقدنا توازننا وسعادتنا واستقرارنا ، وربما       أحياناً كرامتنا واحترامنا لأنفسنا.
5- إنّ كلّ الشخصيات التاريخية التي نحبها ونحترمها عاش أصحابها حياة التوازن ... ابحث واقرأ عن حياتهم ... تجد التوازن      في كلّ شؤونهم.

كيف تكون حياتنا متوازنة:
1- إنّ الحياة المتوازنة تكون في أن نسعد ونتألم ، نتعب ونستريح ، نبذل جهداً ثم نسترخي ، نصح ونمرض ، ننشط              ونتكاسل ، نفرح ونحزن ، ونجدّ ونلهو ، بل إنّ مايعانيه الإنسان في الحياة تميل كفته إلى الكدّ والتعب مقارنة بأيام سعده      وراحته "لقد خلقنا الإنسان في كبد". البلد
2- الإنسان لا يكون فعّالاً ، ولا يتقدم ويتطور في حالة الغنى والانبساط الكامل ... تماماً كما لا يستطيع أن يكون فعّالاً        ومنتجاً ومتوازناً في حالة العوز الشديد والظروف القاهرة.
3- الحياة كلّ لا يتجزأ ، ولا يمكن للإنسان أن يكون متوازناً إذا كان ناجحاً في عمله مهملاً شؤون عائلته وتطوير ذاته ..      كما لا يمكن أن يكون متوازناً إذا كان فاشلاً في علاقاته الاجتماعية مهملاً لجسده وحاجاته المادية مهما كان متعلّماً         ومطلّعاً ومفكراً.
4- الإنسان الفعّال يعلم أنّ هناك أوقاتاً معينة وظروفاً يكون فيها التركيز على جانب واحد من حياته على حساب الجوانب      الأخرى هو التوازن ، إنّها الحالة التي يكون فيها اللاتوازن توازناً.
5- لكي نستمر في إنجازنا وإتقان أعمالنا لا بدّ أن نخصص في خطتنا اليومية والأسبوعية والشهرية والسنوية وقتاً للاستعداد.
    والحديث الشريف يقول: "اغتنم خمساً قبل خمس: فراغك قبل انشغالك ، وصحتك قبل سقمك ، وقوتك قبل ضعفك ،      وغناك قبل فقرك ، وحياتك قبل موتك".
6- لا بدّ من علاقة توازن بين جميع مزايا الإنسان الفعال ، الحكمة: هي أن تمنح وقتاً لعملك ومهنتك ، ووقتاً لنفسك            وأهلك.
7- الإنسان الفعّال ماهر في استخدام إمكاناته ومواهبه الكامنة في تحقيق أهداف حقيقية بينَ كلّ هذا الكوم المحير من الأعمال     والأدوار في حياته.

كيف نحقق التوازن اجتماعياً:
1. إنّ المال والمنصب يجب ألاّ يكونا هدفين بذاتهما ، بل الحكمة أن نسعى إلى منصب أعلى إذا كان مرافقاً للصحة والابتعاد      عن المرض وتمزيق الأعصاب ... فالصحة العقلية والجسمية والعاطفية هي أولى شروط السعادة.
2. الواجبات أكثر من الأوقات: والإنسان الفعّال يعرف متى يُلغي مكالمة هاتفية ، ومتى يُهمل مقابلة أو اجتماعاً ، فالتبسط      هام في مأكلنا ومشربنا ومكاتبنا وبيوتنا كما هو هام في علاقاتنا ... ولا بد أن نعيش ماهو هام حقاً ، نحقق فعالية            الاختيار ، فالفرص كثيرة وحسن الاختيار دليل حكمتنا ووعينا.
3. يقول ستيفن كوفي: "على فراش الموت لا أحد يتمنى أن يكون قد جلس ساعات أطول في مكتبه ، بل لو كان معظم وقته     مع أولاده ومع مَنْ يحبهم ، وكان أكثر لطفاً وحناناً مع الضعفاء".
4. إنّ الطريقة التي تحدد فيها أولوياتك ستكون لها آثار واضحة على ما تحصل عليه من نتائج .. مالذي يعنيه أن أعيش حياةً     كريمة ؟!! وماهي المصادر الحقيقية لهذه الحياة؟!
    5. إنّ إنشاء العلاقات والمحافظة عليها مفيد ، ولكن يجب النظر إليها بحذر ودقة وتوازن ، وأن تأخذ منها جرعات كافية              ومدروسة ، لا أن ننغمس فيها وننسى بقية أدوارنا ، فالإنسان كائن اجتماعي يحتاج إلى التواصل مع الآخرين ، كحاجة          النبات والماء ... بدونه لا تكون الحياة ولكن كثرته قد تقتله.
   6.  عندما يمارس الناس حالة التعاون فيما بينهم ويتذوقون ثمارها يميلون إلى عيشها في حياتهم ، إنّها تحقق إنسانية الإنسان              وترتفع به إلى المستوى الذي عَلِمَهُ الله فيه ....

التوازن مهم أيضاً للمجتمعات والمؤسسات:
1- إنّنا كمجتمعات ننسى مصالحنا الحقيقية ، ونكرّس طاقاتنا لتحقيق نتائج تدمِّر بيئتنا وصحتنا ، فعندما تركِّز الحكومات        على الإنتاج وتتجاهل الآثار البيئية الخطيرة ، واستنزاف المصادر وتلويث الأرض والماء والهواء وتدهور صحة الإنسان ،       فإنّ الثمن الذي تدفعه قد يكون أكبر من محاسن كلّ الإنتاج الذي جهدت للحصول عليه.

فن الاختيار:
إنّ شجاعتنا في التخلص من نفايات الأعمال تجعلنا ناجحين في إدارة وقتنا ، وربما تقرر مصيرنا ، ولا بدّ للإنسان الفعّال من تعلم هذا الفن الرفيع ... فن الاختيار ... اختيار الأنسب والأهم والضروري فيستثمر أوقاته فيما يفيده ويحقق أهدافه ...
1- من المهم اختيار الأعمال الصحيحة ثم نقوم بها بالشكل الأمثل "إنّ الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه" رواه           الطبراني. فإذا كان العمل لا يستحق الإتقان فمن الأفضل أن نهمله ، فلا بد لنا أن نحسن اختيار ما يجب علينا إنجازه ، ثم      ننجزه بإتقان.
    من عيوبنا الكثيرة نتيجة عدم تطبيق فن الاختيار:
    إنّ كثيراً مما نأكله يضرّ بصحتنا ولا يفيدنا ، وكثيراً مما نشتريه ونكدّسه يعيق حركتنا ويشوّه منازلنا ، إننا نلهث ونتعب      لنجمع المال ، ثم نصرفه فيما يجعل حياتنا أسوأ ، وصحتنا أسقم ، وسعادتنا أقل. ونصرف قسماً كبيراً من وقتنا لمشاهدة      أفلام ومسلسلات وبرامج تافهة تشوِّه شخصيتنا ... ونحتفظ بعلاقات كثيرة لا نحبها ، ومع ذلك نستمر بالرياء والنفاق      فلا نتحاشى شخصاً لا نودّهُ أو صديقاً يبعث اليأس والتشاؤم فينا ... ولتحقيق فعاليتنا لا بد من الاختيار والتبسط.
2- إنّنا نحتاج إلى الحكمةِ لنُحْسِنَ الاختيار من بين الفرص والأعمال ، ونحتاج إلى الحكمة لنميِّزَ أولوياتنا ، ونحدّد الأمور         الهامّة ، نحتاج إلى الحكمة لنميّز متى يكون الكلام ذهباً ، ومتى يكون السكوت ذهباً ... ونحتاج إلى الحكمة لنسيطر على      غضبنا أو نستخدمه لمصلحتنا ... وعندها نعيش حياة التوازن والفعاليّة ... حياة الاختيار والنوعية وعندها نكون قد          فكّرنا بحكمة ، وتصرفنا بحكمة ، وعشنا بحكمة. "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً" البقرة.





خاتمة: من المعرفة إلى التطبيق
"يوم الحساب لن نُسأل عمّا قرأناه بل عمّا فعلناه"

 1- بعد الانتهاء من قراءة الكتاب والتمعُّن بأفكاره ، فإنّ جلّ ما أرجوه أن يخرج القارئ إنساناً أكثر فعالية ، ومديراً أكثر       نجاحاً ، وأباً أكثر حكمة. "إن الذين يتأخرون في أعمالهم بحكم العادة ، هم بعيدون عن النجاح بحكم العادة أيضاً"           سمايلز.
2- هذا الكتاب ليس للمطالعة تضعه بعد قراءته على رفٍ من الرفوف ، بل هو منهج لا بد لك من العودة إليه بين الحين        والآخر ليساعدك في عملية التغيير المنشودة ...
3- واعلم أن لا أحدَ يستطيع تغييرك ما لم تقرر ذلك بنفسك.
4- تزداد الصعوبة في تطبيق هذه المفاهيم في المجتمع المتخلف ... حيث يكسب الجاهل والاعتباطي والكسلان والمخادع         ويفشل المنظّم والمفكّر والمخطّط والمثابر والمستقيم.
    ولكنّها الأمانة التي ميّزك بها الله عن كلّ مخلوقاته ... حملتها أنت فكنت ظلوماً بعدم استخدامها ، وجهولاً لعدم تقدير       نفسك حقّ قدرها!
5- "إنّ كلّ إنسان يحصل في حياته على ما يستحقه" وليد ملحس.
    إنّه وعد الله وقانونه "وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وأن سعيه سوف يرى ، ثم يجزاه الجزاء الأوفى" النجم. واعلم أنّك        أمام خيارين: إمّا:
1-           أن تستمر بلوم المجتمع والظروف والبيئة ، فلا تحقق أي تغيير في نفسك وفيمن حولك ، بل تكون مطية لتحقيق        أهداف الآخرين.
2-           أو أن تحقق أمل الله فيك عندما قال لملائكته عنك "إني أعلم ما لا تعلمون" البقرة.

ماذا ينقصنا حقاً هو التطبيق ، تطبيق ما نتعلمه ، وملء الفجوة الكبيرة بين النظرية والواقع ، بين الأنظمة والالتزام بها ، والقوانين وممارستها ، والشعارات واحترامها ... ومهما ادعينا ونظرنا ووضعنا من قواعد ، فلن تفيدنا ما لم تنعكس واقعاً في حياتنا.
ولنا أن نختار بين هذا التغيير الهادئ الرقيق الأصيل الراشد الذي يبقى ، أو ذاك التغيير الظاهري والوهمي ، تغيير الإكراه والغي والجاهلية ... الذي يحطمنا ولا ندري إلى أين يُوصِلُنا أو يُعيدُنا "وقل اعملوا فيسرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" التوبة.

وأخيراً: لقد ألّفت هذا الكتاب برغبةٍ صادقةٍ في تعليم نفسي والآخرين ، ومن أجل رضاً شخصي يمنحني إياه الشعور بالإنجاز عندما يذكر اسمي بين مَنْ ساهموا في تقديم شيء مفيد لشبابنا ولو كان صغيراً وكلّي ثقة وإيمان بأنّ القواعد التي وضعتها بين دفتيه هامة لهم. وربما لن ألتقي شخصياً مع القارئ ، ولكننا التقينا من خلال أفكاره ، وأشعر أنّك استمعت إليّ أحدثك لساعات ، وأكاد أسمع صوت كلماتك المادحة والناقدة.

والحمد لله رب العالمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق